Dr. Nezar Kamal - د. نزار كمال
الموقع الرسمي خبير التميز الحكومي العربي

- الإعلانات -

كن لابنك طفلا (١ )

نجاح الأبناء أمر مرغوب ، فنحن نعلم أيها الوالد أباً كنت أو أماً أنك تبحث عن كل الوسائل الممكنة لتساعد أبنائك على النجاح، أليس كذلك ؟ .

70

 

 

 

من باب العلم أتحدث

 

.. ومن باب البلاغ أتكلم

 

 

فإلى كل أب أمين و أم حنون ، إلى كل راع مُستشعر أنه مسئول عن رعيته ، إلى الأمة التي يجب أن نُعد رجالها من الأن , إلى كل من حمل هم الإسلام ، و إلى الصالحين و الصالحات أُهدي هذا الكتاب .

ولا نقول له تبارك وتعالى إلا كما قالت الملائكة :

 

” قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “

البقرة 32

…………………..

 

 أبشركم 

 

ألا إن نصر الله قريب

 

كن لإبنك طفلاً

 

نجاح الأبناء أمر مرغوب ، فنحن نعلم أيها الوالد أباً كنت أو أماً أنك تبحث عن كل الوسائل الممكنة لتساعد أبنائك على النجاح، أليس كذلك ؟ .

ونحن نعلم أن سبب قراءتك لهذه الأسطر إنما هو بهدف البحث عن حلول سهلة ويسيرة ، ويالها من حلول لو كانت واقعية تبتعد عن أسلوب المواعظ والعظات. بالطبع أنت تريد ذلك … 

وأطمئنك أن هذا الحل العملى موجود ومتوفر وإيجابي وأجمل ما فيه أنه و واقعي وسيساعدك بإذن الله على أن تحيا مع أولادك حياة مستقرة سعيدة، وسيكون هدفك الأمثل عند ذلك أن ترتقي بحياتك وحياة ولدك لتكون مع العظماء والمشاهير المؤثرين في نجاح هذه الأمة ، أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .

هذا النجاح الذي تبحث عنه هو ببساطة مثال لسعادة أولادك السعادة القصوى من وجهة نظرك ، وهو مثال النجاح الأوفى الذي رسمه خيالك، وهو تجسيد الاستقرار الذي تتمنى أن يحيا معه ولدك أفضل حياة وأسعد أيام، هو بالطبع كذلك….. 

وأود أن أنبهك كذلك أن نجاح ولدك هو نجاحك وأن تفوق ولدك سيعطيك الفرصة لتفخر به وسط أصدقائك وأقربائك ومعارفك وأن الضغط الذي تضغطه على ولدك لكي يتفوق وينجح هو فى مصلحته لتحقيق النجاح الذي فى الغالب عادة ما تكون فقدته أنت فى مشوارحياتك .

وهنا تكمن المشكلة …. 

التي يجب أن نفهمها ونعقلها ونراها ونسمعها فى كلمات أولادنا … تلك النجاحات التى لابد أن تكون مبنية على أساس قوى داخل شخصيات أولادنا أنفسهم، فأنت ترسم و تتمني و تحلم بنجاح خيالى تتوقعه لولدك فى أحلامك فكيف يحقق لك ولدلك ما تريده أنت و ما تحلم به أنت و هو لا يريده بل لا يعرف عنه إلا أوصاف الخيالات التى تقبع فى رأسك أنت .. أعرف أنك تقول عنهم أنهم لا يدركون مصلحتهم وأعرف أنك تبحث عن نجاحهم و لكن يجب أن تعترف إن كان ذلك ردك فهو دليل على إن هذا من نقص تربيتهم، فهي غلطتك أنت ثم تحاسبنا نحن وأولادك عليها !.. أنت أيها الوالد الذي أهملت تربية ولدك فى صغره، فلم تهتم يوماً بتعليمه أسهل وأمتع  وأجمل وأفضل تعليم ، هذا التعليم الغير مرتبط بالتلقين بل هو التعليم المتصل بتوريث منهجية التفكير ، إسلوب التواصل مع الخبرات و إستغلال المهارات.

إن الدنيا على سرعتها تستوجب منا تميز فى التعامل والآداء ومهارة فى توضيح أفكارنا وبرمجة أولادنا وهذا ما سنتحدث عنه فى هذه السطور ، يجب أن يعلم الآباء أن إبنك يحيا فى حياة أنت بعيد عنها ، فعند استرجاع أيام شبابك ستتذكر بالتأكيد كيف أن حياتك كانت أبطأ سرعة، وكيف كانت الوسائل التى تستخدمها فى يومك كانت بدائية وهذا بالطبع كان مثار طموح وأمل بالنسبة لك لأن تدرك مباهج الحياة أيامها من مذياع جديد أو تلفاز حديث (أبيض وأسود) أو ألوان . هذا كان طموحك، أما اليوم فأنتم بالنسبة لنا عقليات حجرية ، جامدة ولا نستطيع التفاهم معها  .

فنحن الآن نحتقر بين زملائنا من لا يمتلك كمبيوتر – أتعرف ما معنى هذه الكلمة ؟ أتعرفون كيف تتعاملون معها ؟ – . 

إن لدينا أحلاماً أخرى غير أحلامك وأفكاراً أخرى غير أفكارك … فدعونا وشأننا أيها الآباء …

إذا أردتم فعلاً أن تساعدونا وتعاونوننا فنحن نطلب منكم المساعدة فى أمر واحد فقط ، هذا الأمر يجب عليكم الحرص فيه منذ الصغر، يجب عليكم التركيز عليه فى تعاملاتكم معنا ، هذا الأمر أن تعلمونا منهجية التفكير ، أى أن نتعلم كيف نفكر، وكيف نختار أهدافنا وأحلامنا، كيف نحدد أهدافنا …. كيف نحيا حياتنا الخاصة المتفاعلة مع بيئتنا، ثم دعونا وشأننا فإن كانت المنهجية صالحة، كانت التربية صالحة ، وإن كانت المنهجية فاسدة كانت التربية فاسدة .

وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ قال : ” كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ” أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

إن منهجية التفكير هى حصيلة خبراتك أيها الأب وهى احتراف التربية أيتها الأم فإن المحصلة التى وصلتم إليها يجب أن تتمثل للأولاد فى إسلوب التفكير وليس فى إدراك النتيجة .

 

والسؤال الذي يثور الآن بخاطر كل منا ، هو :

 كيف نعلم أولادنا منهجية التفكير؟

فلنفترض مثلا :-

أن إسلوب التفكير يعتمد على اكتساب مهارات الترتيب والتعاقب فى إدراك الحقائق، فالمنطقية يتم الحصول عليها عن طريق إسلوب التفكير الرأسى المعتمد على الحوار العقلى الداخلى .. المتمثل في النموذج التالي من ترتيب تحليل القضية الفكرية أياً كانت ، و هذا مما يستوجب تحليلها إلى ثلاثة مراحل أو أكثر بشكل تفصيلي في عقلك أنت أيها الوالد تبعاً لخبراتك التي كونتها على مدار حياتك الطويلة و التي خضعت فيها لتجارب التعليم و التدريب و كذلك للمحاولات المتكررة الخاضعة للصواب أو الخطأ فأنت عندما تستعرض أي قضية فكرية سواء كانت سؤالاً علمياً أو استفساراً عملياً أو استبيان عن موقف أو إنسان فأنت في تلك الحالة تُخضع تلك القضية الفكرية للترتيب من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة مثلاً على أقل تقدير و ذلك داخل عقلك ثم تُصدر قرارك النهائي دون الحاجة لذكر مراحل التفكير داخل عقلك و هذا شئ منطقي و لكن بالنسبة لمن هو في سنك و كذلك في مثل خبرتك أو من هو أقل منك قليلاً و يهتم أن يحصل منك على إجابة شافية تساعده في تطوير ذاته أما بالنسبة لإبنك فإن الأمر يتعدى مجرد الإجابه على سؤال صغير كان أو كبير ، المهم هنا أن نُعلم الطفل كيف يصل لمضمون الإجابة بشكل منطقي و ليس بشكل تلقيني ، المهم أن يتعلم الطفل هنا أن يتقصى الحقائق و المُعطيات لكي يصل لإجابة شافية صحيحة يُعتمد عليها، وهذا بالطبع في الأسئلة اليومية المتكررة من طفلك فإذا استطعت أيها الوالد أن تصل مع طفلك للمستوى الذي ينتج فيه الطفل أفكاره الخاصة فستكون قد حصلت بفضل من الله على شخصية ناجحة ، تلك الشخصية التي ستتحرى ما يفيدها و تبتعد عن ما يضرها ، فإن عُرض على هذا الطفل مثلاً في مرحلة المراهقة من أحد زملائه سيجارة فإن هذا الطفل سيعمل على البحث داخل عقله و بنفس المنهجية التي رسختها أنت أيها الوالد أثناء تربيتك له في خلال مراحل طفولته و عندها سيتعامل الطفل مع هذا الموقف ، فإن كانت المنهجية معتدلة ناجحة كانت النتيجة بإذن الله إيجابية و إن كانت التربية غير ذلك فإن الناتج سيكون و العياذ بالله شر مدقع و طفل مشرد و أنت عندها السبب .

و يبقى لنا أن نستعرض نماذج التربية لكي نتعلمها معاً و لكي نتعلم كيف نرسخ عند الطفل منهجية للتفكير إيجابية ناجحة من الممكن أن تكون بالنسبة له كالحصن الذي يحميه من كل الأفكار الشيطانية التي قد يتعرض لها في غيابنا عنه وسط زملائه الفاسدين المُفسدين .

تلك المراحل الثلاثة هي بمثابة الأمر التمثيلي الذي يشرح أن تكوين الأشياء عادة ما يحتاج أكثر من مرحلتين .

 لذلك فنحن نفترض أن :

 المرحلة الأولى (الصورة الكاملة)

تعبر عن تكامل الأجزاء معاً ، و فيها تكون كل المُسببات غير واضحة و كل العلاقات عادة ما تكون خفية و هذه المرحلة التي يتعرف عليها الطفل عادة من خلال نظره و متابعته الشخصية التي تتسم بالسطحية ، فهو يرى السيارة و قد تكاملت أجزاءها فيسأل كيف تسير ؟

ثم تجد هذا الطفل يتحسس الأخبار عن كل شئ يراه ولا يفهم معناه أو طريقة عمله أو اسلوب إدارته و كلما كثرت أسئلة الطفل دل ذلك على نبوغ متوقع لتلك العقلية الفذه و التي تحتاج لرعاية أبوية ، فإن كان غير ذلك صارت إلى الحضيض .

 

المرحلة الثانية (الصورة المرحلية)

تعبر هذه المرحلة عن الأسباب الفعلية أو الحقيقية و التي يتم بسببها فعل الشئ أو أداءه و هذه المرحلة عادة ما تكون مخفية عن الطفل و التي يحتاج أن يعرفها لمجرد الإطلاع عليها و ليس تفصيلاً فهو يحتاج أن يعرف الفكرة العامة ، فهو لا يهتم بالتفاصيل مع العلم أن الطفل الذي يهتم بتفاصيل هذه المرحلة هو من الأطفال المميزين و الذين يتم تصنيفهم عادة من الأطفال النوابغ أو العباقرة . و المثل هنا في حالة السيارة أبعد من كونها تسير بواسطة الموتور ، و لكن بواسطة استعراض التفاصيل بنسبة أعلى من ذلك ، كأن تقول لطفلك : السيارة تسير بواسطة البنزين الذي يتم إحتراقة في غرفة إحتراق داخل موتور السيارة و عند إحتراق البنزين يتم تحرك مكبس و يتم بواسطة ذلك المكبس تحرك مجموعة من التروس مثلاً ، ثم تكون النهاية هي تحرك العجلات و بذلك تتحرك السيارة .

ملحوظة إيها الوالد ، فإن الأفضل هنا ليس إستعراض كل تلك المُسببات بهذا الإسلوب الإبداعي الجميل و فقط بل الأفضل من ذلك أن تساعد طفلك على استنتاج كل تلك العمليات عن طريق حوارك الإيجابي معه .

المرحلة الثالثة(الصورة التفصيلية) 

هذه المرحلة هي مرحلة السبب العام أو الخاص و الذي يتجه إليه ذهن أصحاب الخبرة عادة و لكن الواضح أن أذهاننا نحن هي التي تتجه لتلك الإجابه لأن خبراتنا تسبق خبرات أبناءنا بأزمان و معلومات كثيرة و لذلك فإن الإجابه البديهية بالنسبة لنا هي بالنسبة لأطفالنا إجابه تعجيزية ، فلا يستطيع الطفل معها التعلم و لا يستطيع معها الإدراك ، فكأنك أيها الوالد تسخر من سؤال إبنك ـ هذا من وجهة نظر الطفل ـ فتخيل أيها الوالد أن إبنك سألك السؤال السابق و هو كيف تسير السيارة ؟ ثم أنت تجيبه بإجابة تصنف حسب تصنيفنا هنا في المرحلة الثالثه كأن تقول له : بواسطة الموتور !!

فهل تتوقع منه أيها الوالد المُحب أن ابنك سوف يفهم هكذا و بكل بساطة أن الموتور يفعل كذا و كذا ثم تُصبح النتيجة هي أن تدور العجلة .

بالطبع سوف يقول الطفل في نفسه : أكيد بابا بيضحك عليا !!

رغم أن إجابتك صحيحة إلا أنها نُقلت بشكل غير صحيح و لهذا نحن نحتاج الإسلوب الذي يساعدنا في تربية إطفالنا على تعلم منهجية التفكير السليم ، و الذي سيؤدي بإذن الله إلى تمكن أبناءنا من دراسة كل الأشياء من حولهم ثم سيحاولون ببساطة أن يكتشفوا أسرار الأشياء من حولهم و يحاولون أن يجمعوا بين الأسباب و المُسببات و من الممكن بالطبع أن يتطور الأمر معهم لكي يتمكنوا من اختراع أشياء جديدة في المُستقبل القريب أو البعيد ، و بإذن الله ستكون لهم اكتشافات عديدة و متعددة .

أما  بالنسبة لطفلك فإنه عندما يسألك عن شئ فإنه يستفسر عن شئ له علاقة بالمرحلة الأولى مباشرة ، فهي المرحلة التي يتعرف عليها بفكرة و هي التي يراها أمامه فهي النتيجة الواضحة أمام عينيه .

فمثلاً و كما قلنا يسألك طفلك عن شئ مثل كيف تسير السيارة ؟ 

فهو هنا يستفسر عن شئ رأه من أن السيارة تسير و هذا السؤال يبحث في شئ يتكلم عن مرحلة من التفكير نتيجة لكون أن السيارة يتم تصنيعها في مصانع كبيرة و يهتم بها العديد من المهندسين و العمال ، كما أن تصميم السيارة أساساً يخضع للتجديد و الإبتكار بما يسمح بتوفير أكبر قدر سواء من الراحة أو القوة أو المتانه أو السرعة ، ثم تتداخل كل هذه العوامل التي تخضع لتطور العقول البشرية و تميز أصحاب الإختراعات مثل ” فورد ” صاحب إختراع أول سيارة .

و الغريب أن الأب يتجاوز كل تلك المراحل فيجيب على إبنه بكل بساطة

 فيقول : علشان فيها موتور يا حبيبي ؟

و كأن الأب عطل عقل الإبن وأراد له أن لا يعمل فأهمل تعويد الإبن على التفكير و التوصل لكل تلك التفصيلات الداخلية الدقيقة و التي سوف تجعل الإبن بالطبع يهتم في حياته بعد ذلك بأن يعمل على تحليل الأمور لتفاصيلها ، كما أنها ستساعده بالطبع على تفصيل المشكلات التي تواجهه في حياته إلى الدرجة التي ستجعلة يقف منها موقف المستفيد حيث أن تحليل الأمور يساعد على إكتشاف أفضل الطرق لحل المشكلات .

و في هذا المثال قد تعمد الأب من غير قصد في أن ينتقل بالإبن من المرحلة الأولى التي في التفاعل الإيجابي مع الطفل إلى المرحلة الثالثة المسئولة عن التعرف على التفاصيل و الأسباب و ذلك بإجابته الإجابة المباشرة و التي ستصل بالطفل إلى أن يستوعب الإجابة لا أن يتعلم إستنتاجها .

و لذلك تكون النتيجة عادة تكوين شخصيات سلبية تعتمد عادة على المجتمع من حولها و لا تستطيع تكوين رأي داخلي من نفسها و هذا ما يدعو المرء للحزن على أشباه الرجال الموجودون في مجتمعنا الحالي .

 

هذا بالتأكيد أمر صعب الفهم !!…. 

ولنعطى مثالاً يتوافق مع مرحلة الطفولة وقد يمتد إلى مرحلة المراهقة المبكرة 

فمن المعروف علمياً أن مراحل التفكير عند الإنسان تمر على ثلاث مستويات هى :-

  • من سن صفر – سن 5 سنوات و هنا الطفل يسأل كل أسئلته بصيغة  لماذا .
  • من سن 5 حتى سن 12 و عندها الطفل يسأل كل أسئلته بصيغة لماذا لا . 
  • من سن 12 حتى 75 سنة مرحلة التبرير وإعطاء الأسباب .

وفى المراحل الأولى من التعلم عند الطفل و التي يكون أساس التعامل فيها عند الأباء و الأمهات مع الأطفال هو عادة ما يكون إسلوب الإستعقاق كما سماه الدكتور حمدي شعيب في كتابه (( فقه الظواهر الدعوية )) و التي يكون مفادها أن الوالدان لا يسمحون لأولادهم بالتفكير أصلاً و يكون التأثير الواقع بسبب ذلك أنهم يكونون السبب الرئيسي في كون إتجاه أولادهم نحو العقوق و ذلك لأن الإبن يصل إلى مرحلة التلقي التام فلا ينفع معه النصيحة القائمة على إعمال الفكر و لا ينفع معها إسلوب العقاب الموجه و لا ينفع معها تدخل المتخصصين فلا ينفع معهم الإرشاد و لا التربية المتأخره ستكون مؤثرة بشكل كبير أو فعال و عندها يكون مذهب  الوالدان في التربية هو الكبت .. 

و تذكر أيها المُربي ففى المرحلة الأولى عندما يسأل طفلك لماذا ؟ ، لماذا ؟ لماذا ؟

 بشكل ملحّ ومستفز حتى إذا غضب الأب ضربه أو رفع صوته عليه وكذلك عندما تهمله أمه ولا تهتم بأسئلته يكون بالطبع  سلبياً أو عدوانياً فاشلاً . 

والغريب أن أسئلة الطفل فى هذه المرحلة عادة ما تكون أسئلة بدائية ولكي يتعلم الطفل منها منهجية التفكير يجب أن نتابع معه تصاعد الأمور بشكل منطقى  . 

ولقد حدث أمامي ذات مرة من المرات التي أسافر فيها أن سألت الطفلة والدها يوماً لماذا يسير القطار ؟ وقد كان الأب متعاوناً معها فأجابها وبكل صراحة لأن فيه موتور … 

وحدث نفس الموقف مرة ثانية ولكن مع أب آخر وابنه ، فتعجبت من الأب يسأل ابنه ثانيةً ، وما رأيك أنت ؟ لماذا يسير القطار ؟. 

الابن : يسكت مفكراً … 

الأب : يمكن أن يكون هناك حاجة تسحبه ؟

الابن : ممكن … 

الأب : ممكن حصان أو حمار ؟ 

الابن متعجباً : لأ طبعاً . 

الأب : يمكن أكثر من حصان ؟

الابن : لأ طبعاً … علشان القطار يسير بسرعة 

وهنا يفرح الأب ويكافئ ابنه على حسن رده وذكائه .

الأب: الله ينور يا حبيبي … طيب إيه رأيك ؟

الابن: مش عارف !!

الأب: لأن فيه عربية كبيرة فى أول القطار، تقوم بسحبه . 

الابن: عربية إيه ؟

الأب: عربية فيها موتور كبير .

الابن: موتور أد إيه ؟

الأب: موتور كبير و شكله عامل زى العجلة الصغيرة إللى عندنا فى البيت . 

الابن: إزاى ؟

الأب: مش إنت لما بتركب العجلة بتحرك رجليك وإنت قاعد على الكرسى ؟

الابن: أيوه .

الأب: إيه اللى بيحصل ساعتها ؟

الابن: العجلة بتجرى بسرعة .. فوووووو … 

الأب : هم فى العربية اللى بتسحب القطار عاملين حاجة تخلى العجلة تجرى .

الابن: إيه هى ؟

الأب: لأ دى بأه شغلتك إنت تعرفها .

وهنا ينتهى الحوار مع إلحاح مستمر من الابن لأن يتعرف على الإسلوب الذى تتحرك به عجلة القطار، وتنتهى القصة وقد تعلم الولد إسلوب التفكير وأصبح لديه من المنهجية ما يساعده على التفكيرفى أحلامه وطموحاته ومشاكله عندما يمتد به العمر ويصل لمرحلة الشباب . وسوف يكون الولد حريصاً بشدة على التفكير فى حياته لأنه استمتع مع والده بإيجاد الحلول وأول ما سيفكر فيه الولد هو حل لمشكلة عجلات القطار. 

ثم سيعود بعد يوم أو يومين وقد حصل على حل – هو بالطبع حل طفولى – وسيفعل الأب فى هذه المرة ما فعله فى المرة الأولى ، وتكون النتيجة أن يتعلم الطفل منهجية تفكير جديدة تساعده فى تطوير إسلوب المحاولة والخطأ .

حيوية هذا الإسلوب أنه يستغل الفترة الإيجابية من حياة الطفل و التي يرى فيها الحياة بشكل ايجابي فهو مع طبيعة تكوينه الفكري يحرص على جمع كل المعلومات التي تساعده على التعايش مع ذبلك العالم و كل هذا يُجهز عقلية الطفل حتى نصل إلى المرحلة الفاصلة من حياته وهى مرحلة المراهقة ، هذه المرحلة التى يحتاج فيها الطفل بطبيعته الفطرية لأن يتمرد على الأسرة والمجتمع ليعتبر نفسه شخصية ناجحة قادرة على التأثير فى هذا المجتمع وسيكون النجاح فيها و الأمان في العبور من خلالها لمرحلة الرجولة المبكرة  لمن استطاع أن يتخذ قراراته بنفسه من الأطفال التي تستعمل عقلها وفق منهجية تربوية فكرية سليمة يعالج بها المشكلات التي يواجهها بلطف و علم و منطق في إطار منهجية فكرية إسلامية سليمة . ومن الصعب في تلك المرحلة أن تنفع معها عمليات الفكر الجراحية  التى ترتكز على انتزاع الأفكار السلبية من جذورها ، فهى أفكار سرطانية يكاد يكون من المستحيل تطهير الجسم منها .

لن أخبركم بالطبع كون أن هذا الإسلوب الحوارى اللطيف بين الأب أو الأم مع ولدهما سوف يساعد بالتأكيد على توطيد الصلات الاجتماعية والعاطفية والأسرية بين أفراد الأسرة لتصبح أسرة مترابطة متناغمة سعيدة … وياله من حلم … 

نجح بعض أولياء الأمور فى تربية أولادهم التربية السليمة، وكان هذا بالنسبة لهم مكافأة ربانية نتاجها استقرار أسرى وتفوق الأبناء في حياتهم فكرياً واجتماعياً ودراسياً ، وعلى العكس كانت البيوت الأخرى التي تحرص على توفير احتياجات أطفالها الرئيسية من مأكل وملبس ومستلزمات حياتية أخرى منها المستلزمات الدراسية وغيرها ، وهذه البيوت لا تكاد تمر أيامها إلا تستعرض معها تفاوت عصيب بين مبادئها المعلنة والواقع الأليم لأطفالها الذين تراهم إما خارجين عن طوع أبائهم و أمهاتهم أو ببساطة قد تجدهم خارجين عن القانون ما بين من يتعاطى المخدرات أو من يشرب ما يسمى بسجائر البانجو وغيرها و كل ذلك لا يكون إلا بسبب الأسرة المفككة و التي لم تعاون أبنائها في مراحلهم التربوية الأولى و كل ذلك بسببك أنت أيها المُربي . و العلاج بين أيدينا و ما علينا إلا أن نلتزم به و نستمتع بالتعامل معه فإن فيه النجاح المُستقبلي لأولادنا و كذلك مُتعتنا الإيمانية بزهرة الحياة الدنيا المُتمثلة في أبنائنا و فلذات أكبادنا . 

فمن أولياء الأمور تجد أنهم أصحاب فكر مذهبي أو إتجاه إيماني ثم إنك إذا نظرت لحياتهم لتتعلم منها و لتتعرف على نقاط قوتهم فإنك لا تجد في بيوتهم إلا كل مخذي و كل ما يدعوك للتعجب في التناقض السافر ما بين ما يطبقونه و ما يتكلمون به فالمبادئ التى يرفعون رايتها عادة ما تكون مبادئ إسلامية تربوية ناجحة تدعو لسيادة الدين وحب العلم وتميز الأخلاق ، وعلى النقيض تبحث حالهم الفعلى من تواضع مستوى أخلاق أولادهم وانهيار فى مستوياتهم العلمية والتربوية فتجدهم فى تناقض عجيب لا ينفع معه حينئذ العجب أو قد يصلح معه العلاج .

هذه الأسر عادةً ما تشكو من أبنائها على الرغم من أن السبب الحقيقى يتمركز فى ضعف مستوى الآباء التربوى وليس فى سوء خلق الابن الذي هو نتاج البذرة التي قامت الأسرة بزراعتها وبالرعاية تعهدتها . والخلل هنا يكمن فى نوع الرعاية ، فإن كانت الرعاية جيدة كان النبت بإذن الله متميز وإن كانت الرعاية سيئة كان النبت كما هو واضح فى حياتنا من نماذج قاصة فاشلة ضعيفة غير ذات هوية واضحة .

الرعاية كما ذكرنا هى سر النجاح التربوى والرعاية هى محط الاختبار وهى معيار التفرقة ما بين الابن أو فشله وهنا نحن نهتم معاً بأساليب الرعاية التى سنحوط بها أبنائنا، فإن نحن اهتممنا بالأساليب التربوية وتعلمنا كيف ننفذها، عن طريق تعلم تنفيذها بالطريقة الصحيحة ، فإن النتيجة المتوقعة هى التفوق فى تربية أولادنا بإذن الله، .. أليس كذلك ؟ … 

الرعاية وأساليبها المختلفة قد تم إعدادها لكى ترتقى بالبيوت المسلمة إلى مستوى النجاح المثالى على مستويين الأول أخلاقى دينى والآخر علمى اجتماعى، وهذه الأساليب سوف نستعرضها معاً وسنتعرف على طريقة تنفيذها كما أننا سنتطرق إلى معرفة أهداف كل وسيلة وكل هذا ما سيعطينا رؤية عامة عن منهجية التفكير فى التربية والتعليم .

تطرقنا من قبل إلى استعراض نموذج الطفل وسؤاله عن القطار كيف يسير ونظرنا إلى الأساليب التى قد تستخدم مع الطفل من خلال تعامل والديه معه وهناك من الأمثلة الكثير، من المهم طبعاً أن نستعرض أفكاراً أخرى توضح أساليب الحوار المختلفة فى التعامل مع الأطفال بهدف تعليمهم منهجية التفكير السليم .

سألنى أحد الآباء مثلاً عن موقف حدث فيه أن جاء الطفل إلى أبيه وأخبره أنه – أى الطفل – يتنمى أن يصبح سائقاً للتاكسى !! …

وسألت الأب هنا مستفسراً عن رد فعله . فقال الأب : سألت الطفل لماذا تود أن تصبح سائقاً للتاكسى ؟ 

ورد الطفل : لأنه يأخذ أموالاً كثيرة .

الأب: بس الفلوس مش كل حاجة .

الابن: أنا عاوز أطلع سواق تاكسى .

الأب: إنت عاوز بابا يحبك ؟ 

الابن: أيوه .

الأب: علشان بابا يحبك لازم تطلع دكتور .

وهنا ينتهى الحوار …. 

وإلى هنا كان الأمر ممتعاً بالنسبة للأب، حيث استطاع أن يوجه الحديث إلى أن يُعلم الابن أنه يجب أن يصبح طبيباً لكي يحظى بحب أبيه .

وليس من المعقول أن نتحكم فى عقول أبنائنا إلى هذا المستوى من السيطرة والذي سيؤدى إلى أن يصبح الطفل إما شخصية ضعيفة تابعة ليس لها القدرة على اتخاذ القرار أو على النقيض شخصية ثورية ترفض مبدأ الخضوع أو الطاعة من أساسه، وفى كلا الحالتين فالأمهات والآباء هم السبب .

أعرف أن الآباء يتسائلون الآن عن هذا المثال السابق وكيف أنه من الممكن أن نتعامل مع الطفل فى هذه المرحلة ؟ .. ومن المؤكد أن هذا سؤال مهم يحتاج منا إلى تخيل أسلوب جديد … هذا الإسلوب قد يغير من موقف الطفل ويساعد معه الأب . 

الأطفال عادة ما يُحبون الحوار ، فهو يَعتبر ذلك الحوار تميزاً شخصياً له حيث إن تناوله بضع كلمات مع من هم أكبر منه سناً رفعة لقدره بين أقرانه من الأطفال و لذلك تجد معظم الأطفال فخرون جداً بزيارة أبائهم لهم في مدرستهم ثم تجدهم يتحدثون بها عدة أيام و لا يكاد ذلك اليوم يُنسى من حياة هذا الطفل ، لأن الطفل يحب أن يُهتم به ، و هذا هو الثمن .

نعم ثمن الطاعة ، فإذا أردت أن يُطيعك إبنك حتى لا يكاد أن يكسر لك أمراً ، و إذا أردت لإبنك أن ينفذ كل أوامرك ، و إذا أردت لطفلك أن يتمنى في داخله أن توجه له أنت أيها الأب أي أمر ، فيجب عليك أن تدفع الثمن و هو أن تهتم بالطفل الإهتمام المناسب .

و عادة ما يكون التناسب متساوي ما بين مقدار احتياجك لمستوى الطاعة من طفلك و ما بين مقدار حجم الرعاية الذي توليه لإبنك ، و الأهم من ذلك أننا لا نقصد على الإطلاق الإهتمام المادي بالطفل و فقط ، من أن تشتري له ما يريد ، أو أن لا تجعله يتمنى أي شئ إلا ووجده أمامه ، كل هذا جيد و لكن الثمن الذي يريده الطفل منك هو حقه من وقتك و رعايتك الخاصة ، فإذا استطعت أيها الأب أن تدفع ذلك الثمن فاعلم أنك قد أديت ما عليك أمام طفلك و بقي أن تؤدي ما عليك بينك و بين ربك من دعاء لولدك بالصلاح و الإصرار في الدعاء له و بقي شئ واحد يحفظ لك إبنك حفظاً مؤكداً و هو الصدقة !!

الصدقة تخرجها لله لا ينتقص منها مالك شئ و يحفظ الله بها ولدك و يمن الله بسببها بالفرج على الفقراء و المحتاجين فبالصدقة تتكامل الحياة و تتكافل الأمم و يحفظ الله لك بها أطفالك ، فكن حريصاً عليها و كن مداوماً في إخراجها و استثمر مالك فيها فبها يرتقي ولدك و يحفظه الله من كل شيطان رجيم و صديق أثيم .

تنقسم أنواع الحوارات مع طفلك إلى عدة أشكال أو أساليب نختار منها في هذا المجال ثلاثة أساليب شاملة مهمة هي : 

  1. الإسلوب الحواري الإستبدادي
  2. الإسلوب الحواري التلقيني
  3. الإسلوب الحواري البنائي

تختلف تلك الأساليب في إدارتها و استغلالها ما بين فرض للأمر أو تخيير في إتخاذ القرار و كلا الأساليب مفيد في التعامل مع الطفل و ذلك لتعدد المواقف و الإحتياجات فيجب أن يدرك الوالد أن اتقان تلك الأساليب مهم و لكن الأهم هو التنوع الإحترافي بين استعمالها .

 

  1. الإسلوب الحواري الإستبدادي : 

الطفل كما ذكرنا  يحتاج للحوار لكي يتعلم من خلاله فهو يعتبره حق ضمني له فإن أنت سلبته منه إما أنه سيتمرد عليك لكي يسترد حقه عندك أو أنه سيستسلم و مع هذا الخضوع لن ينتج إلا شخصية هذليه ضعيفة لا أمل معها لتغيير أو تبديل ، فتكون النتيجة طفل سيظل طفل !!

و لنفترض مثلاً الطفل الذي يتمنى على والده أن يصبح  سائقاً للتاكسي 

الطفل : أتمنى أن أصبح سائقاً للتاكسي 

الأب منفعلاً : كيف ذلك أيها الولد 

الطفل : ساكتاً خائفاً : لأنه بيكسب فلوس كتيرة 

الأب : لازم تبقى عارف أنك حتطلع دكتور , و إلا حاقتلك ، فاهم .

الطفل : بس

الأب : من غير بس 

الطفل منكساً رأسه : حاضر

الأب و قد بدت ابتسامة على وجهه : شاطر

كيف هي حالة الطفل ، سعيدة أليس كذلك ، فإن الطفل يتكلم داخل نفسه الأن و يقول لنفسه أحد أمرين , الأول هو أنه أي الطفل لا يستطيع أن يأخذ قرار و يجب أن أنفذ ما يريده والدي مني حتى لا يقتلني ، و صار الطفل سلبياً .

و التخيل الثاني الذي يتخيله الطفل هو أن هذا الأب يحاول أن يسيطر على حياتي ، و لن أسمح له و سوف أريه أنني سأستطيع أن أفعل ما أشاء ، و أصبح الطفل عدوانياً .

مع العلم أن هذا الإسلوب قد يكون ناجحاً في حالات خاصة فقط ، أهمها حالات العقاب على أشياء لا تهاون معها و لا تفريط فيها مثل أمور العقائد و العبادات ، والتي رغم ذلك يُفضل فيها اللين .

و يكون في الحوارية الإستبدادية الوالد صاحب القرار الأول و الأخير و لا رجعة فيها عن القرار فلا يعترف بحوار و لا يسمح معها بالنقاش و حتى إن تبين للوالد بعد فترة خطأ القرار الذي اتخذه فإنه لا يستطيع داخلياً ومن داخل نفسه أن يتراجع عن قراره ، و العجيب أن الأب يتخيل أنه إن لم يفعل ذلك فإن الطفل سيخرج معقداً أو متردداً أو سيشك بقدرة والده الرجولية المتعلقة بفرض السلطة ، و هذا ظن باطل .

حيث إن القرارت لا ترتقِ إلى مستوى الدكتاتورية إلا وعبرت بما لا يدع مجالاً للشك عن ضعف الأب في ادارة الحوار المعتمد على إيجاد البدائل ، فإبنك أكثر تميزاً في الحوار عنك و لهذا أنت تخاف منه فتلجأ إلى استعمال سلطتك في تنفيذ قراراتك و هو مما يُعبر عن ضعفك ! و ليس معنى ذلك أن نجتهد بالإبتعاد كل البعد عن هذا الإسلوب و لكن فلنكن حريصين من الإنغمار فيه فنستعمله على الإطلاق حيث إنه ينتج أطفال مشوهين فكرياً ، و عادة ما يكونوا جبناء أو على النقيض قد يكون النتاج أطفال ثوريون يرفضون العيش في طاعة أبيهم و يكون تخيلهم أن ذلك ضعف مُهين لإمكانياتهم و يكون شعارهم ” لن أعيش في جلباب أبي “

و الجميل هنا أن نكون بين بين ، أي نلتزم بالإعتدال في إستغلال السلطة مع الأولاد حتى نتمكن من تربيتهم التربية السليمة.

 

  1. الإسلوب الحواري التلقيني:-

مع بحث النموذج السابق نجد إن استغلال المواقف على إختلافها من الممكن أن يؤدي إلى نفس النتيجة الفكرية و لكن لن يؤدي على الإطلاق إلى نفس النتيجة التربوية . 

كالأتي :

الطفل يتمنى أن يصبح سائقاً للتاكسى .

الأب: من الجميل أن تختار لنفسك وظيفة من الآن ، ولكن لماذا سائق للتاكسى ؟ 

الطفل: علشان بيكسب فلوس كتير .

الأب: فلوس كتيرة !! .. كان يعنى ؟

الطفل : عشرة ، … عشرين جنيه .

الأب: أقولك كلمة سر ؟

الطفل: أيوه .. 

الأب: فيه شغل تانى بيجيب فلوس كتيرة قوى، وكمان بيساعد الناس، وتعرف كمان كل الناس بتحبه، وبرضه الشغل ده بيخلى اللى بيشتغله شخص مهم قوى، يعنى كل ما يدخل مكان كل الناس تسكت علشان هو يتكلم، وكل الناس بترحب بيه ، إيه رأيك ؟

الابن: إيه الشغل ده ؟

الأب: شغل كبير قوى ، ومهم جداً فى المستشفى . 

الابن: دكتور … صح ؟

الأب: أيوه يا حبيبى ، وأنت عارف كمان إن بابا وماما هيحبوك أوى لو طلعت دكتور؟؟؟ 

الابن: ……………. ( ماذا تتوقع أن يرد الابن على الأب )

وهنا قد اكتسبنا حوارية جيدة مع الأبناء ، ممتازة فى التعامل عن طريق اعطاء البدائل المناسبة ولكن عن طريق عرض المميزات قبل عرض البديل، وهذا مهم جداً فى تشويق الأطفال وجذب انتباههم .

ولكن هذا الإسلوب لازال متمسك بكونه يفرض شخصية الآباء ورغبتهم على شخصية الأبناء مع أنها أكثر مهارة واحترافاً فى تسخير رغبات الأبناء . إلا أننا لمنصل بالطفل إلى مرحلة التعليم القصوى، فإن فرصة كهذه يجب أن تستغلها أيها الوالد إلى أقصى درجة ممكنة لكى تربى طفلك التربية المثالية المتميزة، لكى تصل بطفلك إلى النموذج الذي تتمناه فى يوم من الأيام .

إن الصبر على التربية هو ما يعطينا الأمل فى كون أن هذا الطفل سيتفهم حياته وخبراته عندما يطول به الزمن فيتوغل معنا إلى داخل مرحلة المراهقة التى هى قمة التمرد وعندها لا ينفع التوجيه لأن التمرد والثورية داخل أفراد هذا السن لا  تسمح لنا بالسيطرة عليهم، وهذا ما ندعو إليه هنا .. أن نعلمهم منهجية التفكير السليم، بأن ندربه على مقارنة السلبيات و الإيجابيات واتخاذ القرارات اللازمة لتوفير حياة متميزة والجميل أنه صاحب القرار البشرى الوحيد فى نجاحها فقد أصبح متحملاً لمسئوليته، ليت كل الشباب كذلك .

من الطبيعى أن نجد من الآباء من هم أكثر احترافاً من الإسلوب الماضى أو إسلوب الحوارية التلقينية، هؤلاء الآباء يهتمون ليس بتلقين أبنائهم لاختيارات شخصية ليتشربها الابن بكل سلاسة ووضوح واقتناع ولكن بناء على معطيات أبوية وقرارات بيتية بين الأب والأم، فيحيا الابن حياته لمجرد تنفيذ أحلام والديه وعلى الرغم من اقتناعه بها ، فهذه الرغبات غير متأصلة فى نفسه وليست ذات أسسى وميول نفسية ، فلم تنبع من إختياره ، بل بفرض أبوى حتى بإسلوب تلقين مبدع .

 

  1. الإسلوب الحواري البنائي :-

نستعرض هنا إسلوب جديد نسميه الحوارية البنائية والذي عادةً ما يكون هدفه التعرف على احتياج الطفل نفسه من خلال نقاش حوارى بناء يتم فيه اكتشاف رغبات الطفل وميوله الشخصية ولا يتم فيها توجيه هذه الميول ولكن وبكل حيادية نساعد الطفل من خلال تدرج فى الأسئلة بسيط وسهل أن نستوضح معه احتياجاته كما أننا سنعمل على توضيح البدائل له حتى نسمح له بأخذ القرار الصائب من خلال استعراض منهجية التفكير السليمة داخل عقله .

ناقشنى أحد الآباء فى موقف طفله ، حيث جاء الطفل ليخبروالده أنه (أى الطفل) يتمنى أن يصبح بائعاً للفول .. تعجب الوالد من الابن بالطبع ونهره وكان من أصحاب الصنف الأول الذين يهتمون بالحوارية التلقينية وكان التعليق الذى من الممكن أن يكون مفيداً جداً هنا أن نستغل هذا الموقف فى تعليم الطفل إسلوب ترتيب الأفكار واختيار القرار المثالى مع اختبار الحلول المطروحة جميعها ، ولهذا اخترنا الحوار التالى :-

الطفل: أتمنى أن أصبح بائعاً للفول .

الأب: رائع يا بنى !! … – بغرابة – ولكن لماذا ؟

الطفل: لأنه بيكسب فلوس كتيرة ، وكمان عنده عربية بتاعته .

الأب: جميل أوى … بس كده ؟

الطفل: لأ ..

الأب:إيه كمان ؟.

الطفل: علشان الناس كلها بتستناه ، وكمان أول ما ييجى كل الناس بتجرى عليه !!

الأب: تقصد إنه راجل مهم ومعاه فلوس ؟

الطفل: أيوه .

الأب: يعنى إنت نفسك تبقى راجل مهم ومعاك فلوس .

الطفل: أيوه .

الأب: ممتاز، طيب عربيته أحين ولا يكون عندك إنت عربية كبيرة . 

الطفل: عربية كبيرة طبعاً .

الأب: ويكون عندك سواق ولا لأ ؟ 

الطفل: بسواق .

الأب: وإيه كمان؟

الطفل: عربية كبيرة أوى، ويكون لونها أبيض، العجل بتاعها كبير والسواق يلبس بدلة لونها أزرق . 

الأب: جميل، هيبقى شكلها حلو أوى .. مش كده ؟

الطفل: أيوه .

الأب: واللى يبقى عنده عربية كبيرة أوى زى عربيتك، وكمان سواق عنده بدلة لونها أزرق يبقى أغنى من صاحب عربية الفول ولا لأ ؟

الطفل: (مفكراً) …. طبعاً أغنى .

الأب: يعنى بتاع الفول معاه فلوس كتيرة ؟

الطفل: لأ .

الأب: طيب وإيه اللى يخليك عاوز فلوس كتيرة ؟ 

ننتهز هذه الفرصة معاً و ننظر للأشياء التي تهم أبنائنا الأهمية القصوى مثل النقود ، ثم نحاول التعامل مع تلك المواقف بأساليب إيجابية تتضح معها أهدافنا التربوية و سيكون ذلك بإذن الله عن طريق اتخاذ أربعة أمثلة للرد هي بمثابه نماذج ليست حصرية بل عرضية. و لنبدأ هنا بأن الأب بعد أن استعرض فكرة طفله واحترم رغبته وناقشه فيها بإسلوب تربوى حكيم  يبدأ فى استعراض نفسية الطفل في محاولة لمعرفة رغباته واحتياجاته الدفينة والتى على أساسها سيبدأ إسلوب علاجه فكرياً كالآتى : –

الطفل:-

  1.   (أنا عاوز فلوس كتير علشان أساعد الناس الفقراء)
  2.   أو( أنا عاوز فلوس كتير علشان أشترى دبابة وطيارة)
  3.   أو ( أنا عاوز فلوس كتير علشان أحوشها)
  4.   أو ( أنا عاوز فلوس كتير علشان اشترى أى حاجة أنا عاوزها) 

 

وعلى اختلاف رد الطفل عادة ما تختلف شخصيته ويجب علينا أن نلتزم بمعاملة الطفل فى كل مرة بالإسلوب الحوارى البناء الذى من خلاله يتم برمجة عقلية الطفل ومن الممكن تحسين سلوكه .

النموذج الأول : 

فمثلاً فى الرد الأول يكون هذا الطفل عادة ذو شخصية اجتماعية عاطفية تميل إلى استشعار ضعف الفقراء المحيطين به ولأنه ذو شخصية إيجابية فإنه يحاول جاهداً أن يساعدهم عن طريق إعطائهم الأموال . والجميل هنا أن يكون الولد فى هذه السن ولديه كل هذه المشاعر الإيجابية ولذلك فإن من الأفضل على الأب والأم مباركة موقف الولد ويا حبذا لو استطاعا أن يستغلا الموقف أفضل من ذلك بإثارة الاستفسارات الآتية لدى الطفل :-

 

(1)  (أنا عاوز فلوس كتير علشان أساعد الناس الفقراء)

الأب: الله ينور عليك يا حبيبى .. ولكن إنت هتساعد الفقراء كلهم ؟

الطفل: أيوه كلهم .

الأب: إزاى يعنى ؟

الطفل: أدى كل واحد فيهم فلوس كتيرة .

- الإعلانات -

الأب: والفقير ياخد منك فلوس ليه ؟

الطفل: لأنه محتاج فلوس .

الأب: طيب ليه ميشتغلش ؟

الطفل: مش حيلاقى شغل .

الأب: يعنى الأفضل إنك تعمل إيه ؟

الطفل: أخليه يشتغل .

الأب: جميل .. أو تعمل مصنع كبير وتخليه يشتغل عندك أو إيه كمان … ؟

الطفل: ……………..؟

وهكذا بدأ الطفل فى التفكير بإصلاح المجتمع كوحدة متكاملة متأثرة تتساوى فيها مسئولية الغنى ومسئولية الفقير ، ويتضح له أيضاً أن الفلوس ليست هى حل المشكلات الذهبى كما يتخيل معظم الأطفال . 

 

النموذج الثاني : 

يختلف نموذج الرد على الطفل الثانىتبعاً لتغير الحالة النفسية المكونة لإحتياجاته.

(2) (أنا عاوز فلوس كتير علشان اشترى مسدس أو دبابة أو طائرة)

فكل هذه الأسلحة تعبر عن عدوانية الطفل أو قد تكون حماسته، فإن شعور الطفل بالظلم قد يولد رغبة عنده فى أن يجد فى يديه الأشياء التى قد تعيد إليه حقه بالقوة، وكذلك قد يكون استشعار الطفل لظلم شديد واقع على مجموعة من الأفراد مثل الذي يحدث الآن فى فلسطين، قد يكون ذلك دافعاً قوياً له فى محاولة لتوفير السلاح ليحرر الأرض وينقذ هؤلاء المظلومين .

ولكن كما أن الخطورة فى أن يكون الطفل مستشعراً العدوانية الشديدة الغير مبررة والتى تنتج من سوء المعاملة فى الأسرة أو من كثرة مشاهدته للإعلام المدمر العنيف و سنتابع معاً تأثير الإعلام في الفصل الأخير من ذلك الكتاب بعنوان ” الإعلام وثقافة الرعب ” توضح أساليب علاجية جيدة للتعامل النفسى مع الأطفال – .

فى حالة هذا الطفل من المهم أن يتم توضيح معنى القوة بالنسبة للأقوياء وأنها ليست مرتبطة بالقسوة والبطش والعنف، وتوضيح المعنى المتعلق بأن القوة الحكيمة المتعلقة بالقيادة والسيطرة القائمة على الطاعة المُبصرة من الأتباع هى التى تحرك الأفراد لإنشاء نجاحات قوية ومؤثرة ومغيرة لسلبيات المجتمع كله ، وهذا ما يسمى الحكمة وأن القوة أضعف بكثير من الحكمة .

الطفل: أنا عاوز فلوس كتيرة علشان اشترى دبابة أو طيارة أو مسدس .

الأب: – متعجباً- ليه العنف ده يا حبيبى ؟

الطفل: علشان محدش يعرف يكلمنى .

الأب: – متسائلاً- هو علشان محدش يعرف يكلمك لازم تكون ضعيف ؟

الطفل: إزاى ؟!! … أنا حيبقى معايا أسلحة كتيرة ، وكل الناس هتخاف منى .

الأب: يعنى كل الناس هتخاف من السلام اللى معاك ، مش هتخاف منك .

الطفل: لأ .. حيخافوا منى برضه .

الأب: طيب … ممكن أسأل سؤال؟ وتجاوبنى بصراحة لو سمحت ؟

الطفل: أيوه .

الأب: هل ممكن يبقى فيه راجل قوى وكل الناس تحبه ؟

الطفل:  –  متعجباً – ممكن .

الأب: طيب ويبقى رأيك إيه فى الراجل ده ؟ 

اللى كل الناس بتحبه وبتسمع كلامه وكمان الناس الوحشين بيخافوا منه ؟ !! … 

الطفل: راجل كويس .

الأب: – متعجباً – بس ؟ … راجل كويس بس ؟

الطفل: كويس أوى . 

الأب: يعنى ما نفسكش فى إنك كل الناس تحبك ، و كمان يخاف منك الناس الوحشين بس ولما تمشى فى الشارع كل الناس تقف تسلم عليك وكمان عسكرى المرور يضربلك تعظيم سلام ؟

الطفل: أيوه طبعاً .

الأب: هل ساعتها تبقى محتاج المسدس أو الدبابة ؟

الطفل: ممكن .

الأب: أيوه .. بس مع مين ؟

الطفل: مع الناس الوحشين .

الأب: الله ينور عليك .. بس إنت عارف … مش لو الناس الوحشين كانوا بيخافوا من شخصيتك قوى، وبينفذوا كل اللى بتقول عليه .. هل ستحتاج المسدس ؟

الطفل: لأ طبعاً .

الأب: المهم دلوقتى .. إن إحنا نتعلم إزاى يبقى عندنا شخصية قوية وكل الناس الحلويين يحبونا ويسعدونا وكل الناس الوحشين يخافوا مننا ويسمعوا كلامنا .. صح؟

الطفل: أيوه صح .

الأب: إزاى بقى يا شاطر ؟

الطفل: …………………….؟

ويستمرالحديث الذي يحاول فيه الأب غرس كل الصفات القيادية الجيدة عن طريق توجيه الحديث إلى مراكز القوى الشخصية عند الناجحين والقيادات من البشر ويُفضل هنا إعطاء نماذج ناجحة من السيرة النبوية وبالطبع تمثل قصة الرسول النبى الخاتم محمد – صلى الله عليه وسلم – وكيف أنه تحمل الأذى فى سبيل نصرة الله عز وجل سنين طويلة وكيف أنه صلى الله عليه وسلم ما إن وصل إلى الاستعلاء فى الأرض بأن دانت له صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الخندق فقال صلى الله عليه وسلم :- ” الآن نغزوهم ولا يغزونا ” كيف أنه صلى الله عليه وسلم لم يقطع شجرة ولم يقتل شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً … صلى الله عليه وسلم .

عادة ما يلجأ الكثير من الآباء والأمهات إلى الهروب، وكثيراً ما يتعللون بأكل العيش أو بالسعى فى طلب الرزق كما يقولون حتى أنك لتجد الرجل يدخل داره ليلاً وكل أولاده نائمون ثم إذا تكلمت زوجته عن بعض أحوال الدار يهرب منها فى كلامه، ويكون عندها متمنياً أن تسكت كى يريح عقله من التفكير ومن وجع الدماغ .

أما الآباءالذين يريدون لأولادهم النجاح فعلاً فإنهم يستمتعون بالصبر على تربيتهم فإن أشد أنواع الإهمال هو إهمال الأهل، والتعلل بالانشغال، ولا يحسبن الرجل أنه إذا كان دعوياً ماهراً، يعمل فى خدمة الدين والإسلام – من وجهة نظره – ثم إذا نظرت لداره وأولاده تعرف كم هو بعيد عن تيارات المسلمين وتدرك كم أن أفكاره تكاد لا تلتقى إطلاقاً مع موكب الناجحين من المسلمين . فلا هم ناجحين ولا هم فى ركب الدعاة المخلصين . 

 

النموذجين الثالث و الرابع أساسهما الرغبة في الشراء و لكن اختلاف الدافع ما بين الرغبة في الشراء مع الإنفاق أو الرغبة في الشراء و لكن مع الخوف من فراغ الأموال بعد فترة مما قد يتسبب في عدم القدرة على الشراء : 

 (3) أنا عاوز فلوس كتير علشان أحوشها .

(4) أنا عاوز فلوس كتير علشان اشترى أى حاجة أنا عاوزها .

ولم تكن تلك الأمثلة الأربعة على سبيل الحصر بل هى على سبيل المثال والأمثل غيرها كثيرة، والهدف هنا ليس استعراض نماذج الأسئلة فقط بل إعطاء نموذج عملى على كيفية تكوين منهجية للتفكير عند الطفل .

هذه المنهجية فى التفكير هى التى ستمكن أطفالنا من مواجهة الحياة بعج ذلك بحلوها ومرها، وهى التى ستساعدهم على اختيار أفضلية معينة نابعة من اختياراتهم والأجمل والأروع من هذا كله هى التى ستجعل أطفالنا من أصحاب الشخصيات القوية ذات القرارات الواضحة النابعة عن أفكار راسخة ومعتقدات ثابتة .

 

النموذج الثالث :-

(3) أنا عاوز فلوس كتيرة علشان أحوشها .

قد يكون رد فعل الطفل فى هذه الحالة متعلق بكونه يشعر بإهتمام كل من حوله بالأموال وقد يكون اتصاله بهذه الأموال متوقف على تخزينها عن طريق تكوين مخزون استراتيجى يؤمن له حياته من وجهة نظره .

وهذه النظرة عادة ما تولد عند الطفل شعوراً بالأنانية والبُخل كما أنها تولد لديه إحساس غير عادى بأهمية المحافظة على الأموال وخصوصاً بعد جمعها للدرجة التى قد تصل به إلى حرمان نفسه من المتع الأساسية للأطفال بل قد تصل إلى محاولة الحصول ما يمتلكه غيره من الأطفال سواء بطريق شرعى أو بطريق غير شرعى .

كل تلك المشاعر قد تتولد عند الطفل إذا لم نهتم بإسلوب العلاج الفكرى المتميز والذي يصل بالطفل فى هذه المرحلة إلى تعديل إسلوب التفكير لديه وبناء منهجية تفكير جديدة تقوم على أساس اجتماعى شخصى مُتكامل يصل بها الطفل إلى مرحلة المراهقة ويكون قد اكتمل وجدانه النفسى وكانت حاجاته النفسية عقلانية واعية غير متأثرة بسلبيات المجتمع المحيطة به وبغيره من الأطفال، كل هذا بواسطة التحصينات الفكرية التى يمكن أن نُبرمج عليها أطفالنا فى صغرهم .

يكون التركيز عادة فى هذه المرحلة عند الأطفال على تأمين حياتهم ضد العجز المادى أو تأمين حياتهم ضد متاعب الإنفاق والتى قد يكونوا قد لاحظوها – أى متاعب الإنفاق – نتيجة ضعف دخل الأب أو عدم تيسير الأسرة مادياً وهو ما حرك داخله استشعار الخطر من قلة الأموال ولذلك توجهت أفكاره ناحية الدفاع عن تلك الحالة المتوقعة – حالة الفقر – وذلك بتأمين رصيد مخزون من الأموال .

وهنا يجب أن يهتم الأب بإيضاح سبب المعاناة التى قد تحدث ويهتم أيضاً بتوضيح معنى الرزق وأن الرزق من عند الله وكذلك إيضاح أن الأموال تكون مفيدة عند إنفاقها الإنفاق السليم وليس بتخزينها أو تجميعها . 

الطفل: أنا عاوز فلوس كتيرة علشان أحوشها .

الأب: ليه يا حبيبى عاوز تحوش الفلوس ؟ 

الطفل: علشان لما أحتاج الفلوس ، يكون عندى فلوس .

الأب: يعنى حتحوش فلوس كتيرة قد إيه ؟

الطفل: كتير .

الأب: حتصرف منها ولا لأ ؟

الطفل: حاصرف منها شوية صغيريين !! 

الأب: وحتجيب الفلوس دى منين ؟

الطفل: حاشتغل كويس .

الأب: وطبعاً حتشتغل كتير علشان تجيب فلوس كتير … صح ؟

الطفل: أيوه .

الأب: وكل ما تتعب أكتر تجيب فلوس أكبر … صح ؟

الطفل: أيوه .

الأب: وبعد ما تتعب كل التعب ده وتحوش الفلوس دى , تروح ما تجيبش الحاجة اللى إنت بتحبها ؟

الطفل: لأ .. أنا حاجيب اللى أنا عاوزه .

الأب: كل اللى إنت عاوزه ؟

الطفل: لأ علشان الفلوس ما تخلصش . 

الأب: طيب لو الشغل بتاعك كويس وبيجيب فلوس كويسه ، يا ترى هتخاف على الفلوس إنها تخلص ؟

الطفل: لأ .

الأب: طيب ممكن أسألك سؤال ؟

الطفل: أيوه ممكن .

الأب: هى العصافير بتشتغل إيه ؟

الطفل: – متعجباً – ما بتشتغلش !!

الأب: طيب بتجيب أكلها إزاى ؟ وهى ما بتشتغلش ومعهاش فلوس ؟ 

الطفل: – ضاحكاً – العصافير ما بتحتجش الفلوس .

الأب: ورغم إنها ما بتحتجش الفلوس سعيدة، وبتاكل وبتشرب .. صح ؟

الطفل: صح ، وبتطير وبتصوصو .

الأب: إنت عارف كل ده ليه ؟ لأن ربنا اللى بيرزقها هو اللى بيرزقنا ولأن الله هو الرزاق، فإحنا لازم مانخفش على الفلوس أوى كده، يعنى لازم نشتغل كويس والرزق على الله .

الطفل: طيب أنا عاوز فلوس كتير. 

الأب: اشتغل كويس، واشتغل شغلانة كويسة وقول يا رب ارزقنى فلوس كتيرة ربنا حيكرمك ويعطيك من فضله سبحانه .

الطفل: – قد يسأل متعجباً – وساعتها مش لازم أحوش كل الفلوس ؟ صح ؟ 

الأب: أيو يا عم لأن ربنا سبحانه بيعطى كل إنسان على قد عمله وبعدين إنت لو جبت الفلوس وحوشتها بقى لزمتها إيه ؟

الطفل: مالهاش لزمة .

الأب: تخيل لو أعطينا من الفلوس دى للفقراء والمساكين هل هتخلص ؟ 

الطفل: أيوه ممكن .

الأب: تعرف بأه إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” ما نقص مال من صدقة” يعنى لو عندك عشرة جنيه وأخرجت منهم ثلاثة جنيه لأحد المحتاجين مثلاً فإن الباقى ممكن يشترى أشياء زى اللى كنت حتشتريها بالعشرة جنيه كلهم . وده ببركة ربنا سبحانه وتعالى .

 

وقد ينتهى الحوار هنا وقد تعلم الطفل عدة أشياء أهمها كما ذكرنا تعلمه لمنهجية التفكير واستعراض المشاكل المالية وأن أى مشكلة يجب أن يكون لها أصول وفروع وأن أى موقف له عدة أوجه يمكن النظر له منها ، فإذا تعقدت مشكلة ما فإنه قد يظهر الحل إذا نظرنا لها من وجهة نظر أخرى .

كما أن الطفل قد أدرك بواسطة الحوار السابق حسن التوكل على الله عز وجل وأدرك أيضاً أفضلية الصدقة وأدرك أيضاً استيعاب طبيعة المجهود المتعلق بالعمل وأن بذل الجهد عاقبته التيسير مصداقاً لقول الله عز وجل : 

” إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ” 

كما أن الطفل قد يدرك الحكمة من التعلم من المخلوقات من حوله ، مثل التعلم من العصافير مصداقاً لقول الله عز وجل : ” أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت وإلى السماء كيف رُفعت وإلى الجبال كيف نُصبت وإلى الأرض كيف سُطحت ” .

ويكون التميز الحقيقى الناتج عن هذا الحوار مُتمثل فى عمق العلاقة الناشئة بين الطفل ووالده والقائمة على حسن الحوار والإبداع فى التربية فهو مما ينشئ علاقة مميزة قائمة على هدوء الولد فى بيته وانتظامه فى طاعة أوامر كل من والده ووالدته، وسيتضح مع الوقت أن الإسلوب السائد فى التربية والتعامل فى البيت قد أصبح قائماً على الحب فقط وأن الترهيب قد وصل للمرحلة الحرجة عند الاستخدام النادر فى حالة الأزمات عندما يفعل الطفل شيئاً يتوجب تعنيفه معه أو عقابه .

 

النموذج الرابع : 

(4) أنا عاوز فلوس كتيرة علشان اشترى أى حاجة أنا عاوزها .

كان هذا هو الافتراض الرابع الذى قد يجيب به الطفل فى بداية الحوار الذي مارسه مع الأب عند مناقشة الأب مع ابنه رغبته فى أن يُصبح بائعاً للفول .

كل تلك الافتراضات وغيرها تدل على كون أن أى موقف قد يحدث بين الأب وطفله من الممكن وبسهولة استغلاله فى تربية الطفل التربية السليمة كما يتراءى للأب ومنهجيته فى التفكير .

إن منهجية التفكير هى محور البناء الذاتى لأى فرد فى المجتمع والأطفال ليس لديهم القدرة الكاملة لتعلم المنهجية الخاصة فى التفكير ، وبفرض التأقلم مع أوضاع البيئة فإن الطفل لا يزال ذو خبرات محدودة قد تسبب له الكثير من الإحباط والاستسلام والفشل لمجرد أن أبوه أو أمه لم يتمكنا من برمجته البرمجة العقلية الكافية ولمجرد أنهم لم يساعدوا أبنائهم فى بناء الشخصية السوية القائمة على منهجية عقلية راسخة  ومتزنة.

وعادة ما يكون حاجة الطفل فى هذه تلك المرحلة هى إشباع الرغبات الأساسية من تحصيل أكبر كم ممكن من المتع من مأكولات وطعام ومشراب وألعاب وكل ما يمكن تصنيفه كمثيرات للإهتمام من ألوان براقة وأشكال غريبة وهذا ما تتميز به شركات الدعاية والإعلان حيث تعمل جاهدة لاستغلال فضول الطفل فى التأثير على الآباء بشكل دعائى غير أخلاقى . حتى أن تأثير الألوان نفسياً يتغير تبعاً للمرحلة العمرية وهذه الألوان من المهم أن يتم التعرف على خصائصها النفسية حيث إن اختلاف الألوان قد يتحكم فىالحالة الشعورية للطفل وسوف نستعرض تأثر الألوان النفسى بإذن الله ببحث أخر منفصل.

أما الطفل الذي يرغب فى الحصول على أموال كثيرة حتى يتمكن من شراء كل ما يرغب به هو فى الغالب لا يهتم بفكرة الاجتهاد فى العمل ولا فى كيفية تحصيله ولا فى معاناة الحصول عليه ، بل هو يهتم كل الاهتمام فى كيفية إنفاق هذا المال ، وتُعد هذه الحالة من أخطر المشكلات التى قد تواجه الأب والأم فى تربية أبنائهم حيث إن الأطفال فى هذه الحالة يصرون على تحصيل كل ما تشتهيه أنفسهم دون المبالاة بالمعاناة التى يعانيها الآباء فى كيفية الحصول على هذه الأموال، وكذلك قد تكون المشكلة ليس فى الإلحاح المستمر فى الطلب ولكن فى سوء التربية الناتج عن تواكل هذا الطفل إلى المرحلة التى يستحيل معها توجيه طبيعة الطفل لأن يكون شخصية إيجابية بناءة فى المجتمع فهو يحرص على على وصول كل أنواع الراحة إليه دون أن يتعب فى تحصيلها .

الجميل فى بعض أولياء الأمور أنهم يعتقدون أن الابن إذا كان تحت سيطرة مالية معينة بأن لا يأخذ كل ما يطلبه أو يتم حرمانه من بعض الكماليات ، فإنهم يعتقدون أن هذا الطفل قد يكون معقد نفسياً وهذا الأمر هو ما يدعوهم للتساهل الشديد فى التعامل مع هؤلاء الأطفال فيخرج الطفل مذبذب، مدلل، ذو شخصية تافهة، مهمل فى حياته، وهذا الطفل عادة ما يكون ناجح فى الوصول إلى مرحلة الفشل السريع لأنه تعود فى حياته على الاتكال على والديه وهذا ما سيؤدى به إلى نهاية مأساوية التى بلا شك سيكون الآباء أول ضحيتها والأحداث والقصص المأساوية التى نسمع عنها ونقرأها يومياً أكبر دليل على ذلك .

إن حرص الطفل المتزايد فى شراء كل ما يريد أمر طبيعى سببه الرغبة الفطرية فى التنافس، هذه الرغبة التى يمكن توجيهها بسهولة لأن تكون نواة لإصرار شديد لا يخضع للألم ولا يلين مع الضغط وهذا الإصرار الذى يصبح معه النجاح بإذن الله أمرسهل ، ومن الممكن بقليل من الجهد أن يتم توجيه تلك الرغبة إلى حالة من التنافس القتالى العدوانى والذي تكون الأنانية هى صفته ، وبالتالى تلك الرغبة إلى الإنعزالية المطلقة أو السلبية المرضية . وفى كل تلك الظروف والأحوال يكون المنتفع الوحيد أو المتضرر الأساسى هو إبنك . الذى هو فلذة كبدك وهو من سيرفع إسمك ويحمل همك ، وهو نتاج حياتك، نجاحك، أملك … وبالطبع هو محصلة عمرك .

وإن حرصك على تربيته هو ما دفعك لأن تقرأ هذا الكتاب، وإن حبك له هو الذى سيجرك مشاعرك وأفكارك لأن تساعده فى تطوير مهاراًت التفكير لديه ولأن تكون لديه مجموعة من الخبرات التى ستساعده، وبأن تعمل جاهداً على أن تنشأ منهجية للتفكير واضحة وإيجابية وطموحة داخل عقلك .

 

الطفل: أنا عاوز فلوس كتير علشان اشترى أى حاجة أنا عاوزها .

الأب: أى حاجة زى إيه ؟ (يحاول هنا الأب تفتيت الرغبة لإشعار الطفل بعدم أهميتها)

الطفل: أى حاجة .(رد الطفل قد يشير إلى رغبته ليس فى الشراء ولكن الرغبة الأساسية هى الشعور بالقدرة على الامتلاك ) .

الأب: زى إيه يعنى ؟

الطفل: عربية ، طيارة .

الأب: بس؟ .. وإيه كمان ؟

الطفل: اشترى بسكوت وحاجة ساقعة وحاجات كتيرة أوى .

الأب: وإيه كمان ؟.

الطفل: بس .

الأب : وكل الحاجات دى محتاجة فلوس كتيرة ؟ 

الطفل: علشان ممكن تخلص ومعرفش أجيب منها تانى .

الأب: بس الفلوس من السهل إنها تيجى بشرط تشتغل كويس ، وكمان تكون بتشتغل شغلانة إنت بتحبها .

الطفل: والشغل هيجيب فلوس كتيرة ؟

الأب: آه طبعاً ، بس لازم تكون بتحبه، وده يخلينى أسألك سؤال … ممكن ؟

الطفل: اتفضل .

(استغل الأب هنا الحوار فى سبيل مساعدة الطفل على الاختيار وفى هذه المرحلة يُعتبر السؤال وسيلة فعالة لإكساب الولد احترام للذات وإعطاء الولد أهمية للدرجة التى تجعل الوالد يستأذنه فى أن يسأله) 

الأب: إنت نفسك تطلع إيه ؟

الطفل: نفسى أكون ظابط وأسوق طيارة .(قد تكون الإجابة أخرى أو قد يتردد الطفل فى الرد)

الأب: واشمعنى الطيارة ؟

الطفل: علشان بتطير بسرعة .

الأب: وإنت حاسس إنك هاتنجح إنك تكون ظابط طيار؟

الطفل: يعنى إيه ؟

الأب: يعنى إنت دلوقتى بتاخد قرار تتوقف عليه حياتك كلها .. عارف يعنى إيه ؟

الطفل: يعنى إيه ؟

الأب: لو حددت قرار غلط ، حتشتغل شغل مش مناشب ليك، عارف يعنى إيه ؟ .. يعنى حتلاقى نفسك شغال فى وظيفة إنت مش مبسوط فيها ومحتاج تغير الوظيفة علشان تستريح ، صح ؟

الطفل: آه ، عايز أبقى مبسوط .

الأب: فيه حاجة واحدة تخليك مبسوط .

الطفل: إيه هى ؟ 

(ومن الطبيعى هنا أن يستغل بعض أولياء الأمور الموقف لكى يبرمجوا عقلية الطفل للوصول به إلى الوظيفة التى يحددونها لأبنائهم، كأن يكون طبيباً أو مهندساً أو غير ذلك مع إن الأمر قد يكون مباحاً ولكنه فى وجهة نظرنا ليس أخلاقياً ، فمن حق الطفل أن يختار تبعاً لمواهبه التى يراها بنفسه وليس تبعاً للمواهب التى يراها فيه الآخرون وحتى لو كانوا أبوه وأمه) .

الأب: من الممكن أن تصبح دكتوراً أو مهندساً أو ظابط شرطة أو ظابط طيار أو حتى أن تفتح محل أو شركة أو غيرذلك ، المهم أن تختار أنت ما يتناسب مع مواهبك وإمكانياتك .

الطفل: وما هى مواهبى وإمكانياتى ؟

الأب: أنت مواهبك كثير (من المهم هنا إعطاء الثقة للطفل حتى يشعربإمكانياته وحتى يشعر أنه ممن الممكن أن يكون قادراً على فعل أى شئ بإذن الله تعالى)

الطفل: زى إيه ؟

الأب: إنت حاتعرفها فى نفسك مع كل يوم فى حياتك، وساعتها حتنبسط بيها جداً وحتكون سعيد جداً لأنك بتنجح نجاحك الشخصى زى ………(وهنا يعطى الأب أمثلة واقعية من البيئة المحيطة بالطفل أمثال عمه أوخاله أوغير ذلك من الشخصيات المحبوبة بالنسبة للطفل)

 

وقد يسيرالحوار على هذا المنوال، وقد ينتهى، المهم أن تأثر الطفل أصبح أكيداً، لأنه أصبح مطالب بإصدار القرار، وإصدار هذا القرار يحتاج إلى صلاح فى الفكر وفهم لطبيعة الحياة وهو ما ينقص أطفالنا ، بل وتحتاجه عقولهم .

الجميل فى الأمر أن الحياة سوف تصبح فى البيوت أكثر إمتاعاً، فالعلاقات الثنائية بين الآباء والأطفال قد تطورت وهو ما يُعطى استقراراً فى المشاعر لدى الأطفال ويُعطى المتعة لأولياء الأمور فى التمتع بزينة الحياة الدنيا .

يقول الله عز وجل : ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير” . 

فيالها من أسرة وياله من حلم من الممكن أن يتحقق إذا نجحت أنت أيها الأب أوأنت أيتها الأم .

 

الإعلام وثقافة الرعب

 

تحتوي حياتنا علي مغريات كثيرة ، تنطلق منها بالحب أو بالغدر سهام قد تصيب أو بفضل من الله قد تخيب فهكذا تتداعي الذكريات وأنت تقف علي جبل الأمنيات ، وأنت تنظر إلي قمم شواهق من نجاح وانتصارات كانت دوماً وأبداً نموذجاً وفخراً لكل المسلمين .                                          

فإن نجاح المسلمين في السابق كان بمعزل عن كل عدوان ، فقد كان الصراع شريفاً ، نعم صراع الحرب كان شريفاً فأنت تحمل سلاحك وأنا أحمل سلاحي ونري من منا ينتصر بكل أدب جم وبكل كرامة وشموخ وهذا هو أدب الحروب .                         

 أما الآن ونحن في عالم تسلط فيه غير الشرفاء فمن الطبيعي أن تُستعمل أساليب الضعفاء والتي تعتمد علي كسر الجمود وإدارة الشعوب بسيطرة داخلية وروابط عقلية مخيفة .                                                        

ولنستعرض معاً هذه الفكرة .                                                        

تنقسم الظواهر النفسية عند علماء النفس إلي ثلاثة أركان رئيسية ، وهذه الثلاثة هي كل مكون لأي خبرات نفسية تؤثر علي تصرفاتك المستقبلية أو علي حياتك المهنية .                                                                  

هذه الأركان هي ( الأفكار ، المشاعر ، السلوك ) وتوضع هذه الثلاثة في نموذج يسمي النموذج الثلاثي ( نموذج مرسيدس ) كالأتي :  

                                            

                                                              

 

حيث أن علماء النفس يقولون إن بداية أي ظاهرة نفسية يكون أحد  هذه   الأقسام الثلاثة ثم يتحرك الترتيب حتى تكتمل الدائرة فإذا بدأت الظاهرة النفسية في التكوين من منطلق السلوك ثم تحولت إلي المشاعر فمن الطبيعي توليد فكرة معينة ولنأخذ مثلاً .                                                             

طفل صغير رأي شمعة مضيئة فاقترب منها ثم وضع يده علي لهيب الشمعة فمن الطبيعي أن تحرق يده ويتألم هذا الطفل ثم ستجد أن الأمر أصبح عند هذا الطفل مُعتقد داخلي يفيد الألم عند رؤية اللهب، و في هذا المثال فإن تحرك الطفل المعبر عن السلوك في النموذج الثلاثي ( نموذج مرسيدس ) قد أعقبه ألم متمثل في المشاعر ولذلك فإن الجزء الثالث من النموذج الثلاثي يعبر أفكار ومعتقدات راسخة أي أن تحرك الطفل كان في المثال السابق كالأتي ( سلوك ، مشاعر ، أفكار ) .

ما نلاحظه في الفترة الحالية أن الإعلام ينتهج هذا الأسلوب فهو مدرك تماماً أن نقطة الضعف في هذا النموذج هي المشاعرـ خصوصاً عند الشعب العربي و بالتحديد المصري ـ وأن النقطة المحركة هي الأفكار وأن السلوك ُيكذب  ذلك أو يصدقه فإذا بلغت المشاعر درجة من القوة بحيث أثارت العواطف الجياشة وأيقظت الأفكار النائمة وهذا ما يستشعره الأطفال و الكبار وبالطبع فإن  مشاعر  الألم أكثر إثارة من مشاعر الفرحة لأن العقل ككل متمثلاُ في العقل الباطن يحتفظ بالخبرات والمشاعرو الأحاسيس المؤلمة لا بتفصيلاتها أو شرحها ولكن يهتم بألمها فقط فتصير كل الخبرات الفاشلة السابقة مؤلمة و كأن الألم عند الإنسان له إناء واحد تُشحن فيه كل الخبرات المؤلمة ، بينما مشاعر الفرح فإنها مشاعر خاصة و من الصعب أن ترسخها أو تعمقها أو تنشرها علي خبرات النجاح الكثيرة .  

لهاذا فإن الأعلام المُغرض وبمعرفته لتأثيرذلك النموذج على منهج المجتمعات ورغم أن اهتمام الإعلام الشديد بتخصصه في التركيزعلى إثارة مشاعر الألم والرعب بحيث يرتبط أي صراع بالألم وأي جهاد بالقتل وأي دفاع مشروع عن وطن لا مفر من إرتباطه بالدم ، فإن تعمق الأفكار المعبرة عن الألم مع كل خطوات التحرير هو ما يُختزل داخل عقول أطفالنا وبالطبع عقولنا نحن أيضاً .

ولذلك فإن تنافس القنوات الفضائية في إثارة مشاعرالعنف و تهيئة النفوس للرعب والألم هو ما يثير داخل أطفالنا السلوك السلبي وفي معظم الأحيان السلوك العدواني ، علي اختلاف في طبيعة الطفل نفسه ومستوي تربيته ودرجة ثقافة بيئته. 

حيث إن الإعلام بالنسبة للطفل ما هو إلا كمثال الشمعة إن أحترقت يده منها مرة فإنه سيخاف منها مدة طويلة من عمره .

 فهو إما سيتجنب الشمع فترة ليست بالقصيرة من عمره وإما أنه سيتحول لطفل عدواني ينتقم ممن حوله ليس بسبب الشمعة ولكن بسبب ألم الشمعة المكبوت في إناء بلغ منتهاه من مشاعر رعب و عنف و يأس و إحباط تنقلها لنا وسائل الإعلام  داخل نفسه . وهكذا الحال مع الإعلام المرعب من صور قتل وقصف أو دم وهدم فإن الطفل إما أن ينزوي خوفاً علي حياته و روحه ونفسه فيتربى علي السلبية والانطواء وحب الذات وإما أن تتفجر داخله ينابيع الألم التي لا يعرف مصدرها ومن ثم يبدأ فيثور و يستشعر بأنه مقهور مظلوم فينتقم ممن حوله فيصير عدوانياً .

من الآباء من يسأل وكيف الخلاص!! والإعلام في كل مكان ولا سبيل للهروب منه ؟ 

وهذا سؤال يستحق البحث والدراسة فإن الآباء المهتمين بتربية أولادهم حريصون على رعايتهم وليس كل الآباء كذلك . 

نحن نعلم أن المشكلة تكمن في تعديل السلوك من العدوانية إلى التعاونية و من السلبية إلى الإيجابية ، أليس كذلك ؟ 

فإن كان السلوك سلبياً نريده إيجابياً ونريد الطفل اجتماعياً ومؤثراً ودوداً عطوفاً ، وإن كان السلوك عدوانياً نريده لطيفاً هيناً ليناً مُحباً ونريده  مُصلحاً وليس مفسداً . وهذا التغيير يتمحور في عدة طرق أذكر منها ثلاث أساليب مهمة هي :- 

 

الأسلوب الأول :- 

الحرص علي تعديل البرمجة الإعلامية من برمجة سلبية موجودة في الوسائط الإعلامية إلي برمجة إيجابية منزلية أثناء عرض المناظر المرعبة . 

ولكن كيف ذلك ؟ 

من الصعب أن ننعزل نحن وأطفالنا عن الإعلام وعن سلبياته فإن الوسائل الإعلانية تحيط بنا في كل مكان ، وإذا تركنا أطفالنا نهباً لصراعات القنوات الإعلامية لسقطوا سريعاً . 

والأفضل لنا أن نستغل هذا الإعلام لمصلحتنا كأن نتعمد أن نكون بجوار أطفالنا عند استعراض أحد هذه المشاهد الدموية ، ونقوم بإحتضانه جيداً لنشعره بالأمن ثم نخبره بصوتنا و نشحنه بكل الأفكار الإيجابية البنائة التي نريد أن نغرسها في نفوس أبنائنا كأن نفرق لهم بين لفظي ” القتل والشهادة ” وأن الشهيد له الجنة ثم نذكر لهم

 قول الله عز وجل ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ” آل عمران 169 

فنحن هنا نقوم بغرس أفكار جديدة إيجابية مع نفس المشاهد السلبية والتي نعتقد أنه بإذن الله سيتولد عنها أسلوب جيد و رائع و هو ما سيوفر له دافع إيماني قوي يؤثر في حياته المستقبلية بإذن الله بما يسمح له بأن يعرف أن كل موقف في ظاهره أنه سلبي  قد يكون له إيجابيات كثيرة و هذا مما سوف يساعده بإذن الله في حياته  .

 

الأسلوب الثاني :- 

بواسطة الحوار الصحي الأسري البناء فنحاول ملاحظة المخاوف عند أطفالنا ونقوم بالنقاش الهادىء معهم ونحاول استشعار مفاهيم الألم عندهم ثم نستدرك الأفكار التي ترسخت في الماضي ونحاول تغييرها بأخرى جديدة ، كأن نسير في البرمجة على نموذج مرسيدس السابق فنهتم بالترتيب الأتي ( المشاعر ، الأفكار ، السلوك ) بأن نهتم بالتعرف على المشاعر المؤلمة و نحاول أن نقوم بتغيير الأفكار المولدة لتلك المشاعر وهو ما سيؤدي إلى تعديل السلوك السلبي أو العدواني بإذن الله .

هذا الأسلوب يعتمد علي احتراف الوالدين في التربية وعادة ما تنجح فيه الأم أكثر من الأب لأنها تكون أكثر صلة وقرباً من أبنائها . ولا ينزعج الآباء عندما يطول العلاج بهذا الأسلوب فإنك إنما تحاول إفراغ حصيلة سنوات من الشحن السلبي للإعلام فلابد أن تأخذ فترة أطول قليلاً من الإسلوب الأول ، و بإذن الله سيكون نجاح أطفالنا في الحياة العملية هو المكافأه التي نستحقها جزاء تعبنا معهم في التربية و التعليم ، فأبناءنا يستحقون منا ما هو أكثر من ذلك ، أليس كذلك ؟ . 

 

الأسلوب الثالث :- 

ويكون بإعتماد أسلوب التحصين المستقبلي بتكوين مناعات مستقبلية للثقافة الإعلامية السلبية ، أي محادثة الطفل وإفتراض فروض مستقبلية ثم مناقشة رأيه فيها بشكل موضوعي إيجابي . ويعتمد هذا الأسلوب علي حِرفيه الآباء في إستقراء الواقع وتميزهم في إسلوب إداراتهم للحوار مع أطفالهم بشكل مغري وجذاب . 

كأن تفترض مثلاً أنك قد إستطعت الحصول مع ابنك علي جائزة عبارة عن رحلة لمدة أسبوع إلي القدس مثلاً فما الذي يتوقعه طفلك ؟ 

وبالحوار الإيجابي سوف تستطيع أيها الأب أو أيتها الأم أن تغرس في إبنك كل ما تريده من أفكار عن الصراع العربي الإسرائيلي مثلاً و موقف الشهداء وبذلك كأنكم تمنحوا إبنكم أهم هدية ، وهي منهجية التفكير السليم وإسلوب تحليل للأحداث و بالشكل الأمثل . وهو ما يعتبر بالنسبة إليه حصناً مستقبلياً يقيه ويحميه بإذن من الله تعالي . 

وفي نهاية حديثي أود أن أشير أن الأمر ليس بالهين أن نفهم أولادنا فلذات أكبادنا،وحرصنا عليهم هو ما يدفعنا لأن نحترف أساليب الحفاظ عليهم والتميز في تربيتهم . 

حتى يهبنا الله وإياهم جنة الخلد مع الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم . 

هذا وفي النهاية أدعوا الله أن يحفظ أبنائنا,وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا سبحانه بما علمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه  ، و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .   

           

 

  

 

- الإعلانات -