Dr. Nezar Kamal - د. نزار كمال
الموقع الرسمي خبير التميز الحكومي العربي

- الإعلانات -

كن لابنك طفلا (٢)

احتراف التواصل مع الاطفال

116

 

 

من باب العلم أتحدث .. ومن باب البلاغ أتكلم

 

فإلى الأب الحكيم و الأم المبدعة ، إلى أبي و أمي ، إلى كل مُربي مُستشعر أنه مسئول عن رعيته ، إلى الأمة التي يجب أن نُعد رجالها من الأن , إلى كل من حمل هم الإسلام ، و إلى الصالحين و الصالحات أُهدي هذا الكتاب .

ولا نقول له تبارك وتعالى إلا كما قالت الملائكة :

 

” ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار “

البقرة ….

…………………..

 

 أبشركم 

 

غداً نلقى الأحبة مُحمداً و صحبه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

احتراف الإتصال مع الأطفال

 

يبحث أولياء الأمور عن علاج لمشكلاتهم مع الأبناء ، و هذا مما يبعث الحيرة في التفكير في إجابة سؤال مهم هو 

كيف نتواصل مع أبناءنا ؟ و كيف نتمكن من مساعدة أبناءنا على النجاح ؟

 فإن الآباء والأمهات عادة ما يهتمون بتفوق أبنائهم ويهتمون بإعداد هؤلاء الأولاد الإعداد الجيد اللازم حتى يصل هذا الطفل أو الطفلة إلى نجاحات كبيرة فى حياته و عمله.

فنحن نعرف أيها الوالد أو الوالدة أنك عادة ما تجعل اهتمامك أو تفكيرك كله فى البحث عن وسائل تساعدك في تحقيق نجاح ولدك .

 فأنت تركز بشدة على مستقبل هذا الابن ، وتكاد تجعل كل كلامك مع أولادك في أن تنصحهم ثم إنك تذكرهم عادة في كل وقت بأنك مهتم بمصلحتهم !!

 لكن المشكلة تكمن فى أن الأولاد مع كل ذلك الاهتمام ومع كل تلك النصائح لا يهتمون بالكلام مطلقاً . بل وتجد أن معظم الأطفال يضربون بكلام آبائهم عرض الحائط ، ثم إن هناك فئة من الأولاد تتعمد مضايقة الآباء – وهم كثير فى هذا العصر – فهم يتعمدون مضايقة الآباء والأمهات فيجتهدون في أن يفعلوا نقيض ما أمر به أباءهم … أليس كذلك ؟ .

ثم إننا نعرف أيضاً أن حرصكم المتزايد على طفلكم هو ما يدفعكم للاهتمام أكثر وأكثر ثم المحاولة أكثر وأكثر .

 فأنت أيها الوالد تعلم مصلحة ابنك وهو للأسف لا يعلمها لأنه صغير السن وهذا بالتحديد ما يتعبك ويقلق حياتك وتفكيرك .

و لهذا فإن انشغالك بالتفكير في حياة ولدك يعتبر هو هدفك الأول و الأسمى ، فأنت تحيا حياتك كلها لتأمين عيشة كريمة لأولادك وتحرص كل الحرص فى أيامك وأوقاتك وعملك على توفير كل ما يحتاجه أولادك، وهذه رسالتك كما تراها … أليس كذلك ؟

ثم يأتى ابنك بعد ذلك وقد تعمد إهمال هذا كله ، بل ويتعمد مع هذا الإهمال أن يترك حياته عبثاً مع الأيام بلا هدف أو غاية !! وأنت عندها تتألم لحياته أكثر من تألمه هو وتتعجب من كونه كيف أنه لا يهتم ببناء مستقبله كما تراه له ؟ فأنت ترى له الأصلح !!! 

و أنت ترى له الأفضل !! .. و أنت ترى له الأحسن !! .. أليس كذلك ؟

وقفة :

ولكن هل نتوقف هنا معاً قليلاً أيها الوالد أو أيتها الوالدة، لنراجع معاً تلك السلسلة الواقعية التى نراها أمام أعيننا يومياً.

 أو هذه الحكاية التي من الممكن أن تكون هى قصتك أنت !! 

هل نتوقف قليلاً لنستعرض معاً وجهة نظر العلم في أفعالنا و رأي علماء التنمية البشرية فيما نفعله يومياً مع أطفالنا ؟ هل نتوقف قليلاً لنبحث معاً عن الحل ؟ و هل هناك حل من الأساس أم لا ؟

نعم هناك حل و هذا الحل سهل وبسيط وهو يعتمد على شيء أساسي ، وهو التعرف على أصل المشكلة وسببها الرئيسى .

 وهذا الحل الذى سنستعرضه معاً هنا وإن لم يكن حلاً جذرياً فلا حاجة له وإن لم يكن حلاً واقعياً فلا حياة له ، 

والجميل فى هذا الأمر أنه استعراض جديد وحل مبدع وتحليل رائع للمشكلة ينتهى عندها تعقيد الأفكار التى تجد نفسك غارقاً فيها ما بين حلول أكاديمية أو أمور تعجيزية . و تجد الأجمل والأروع في هذا الحل أن تلك المشكلات التي تواجهنا مع أبناءنا يكمن حلها فى فهم طبيعة العلاقة بين الابن وأبويه والتى يترتب عليها أساليب الإتصال التى يجب أن نتخذها فى التعامل معهم . 

وفى هذا الكتاب سنتعرف وبشكل إجمالى على أساليب الاتصال مع طفلك في مرحلة ما قبل المراهقة أو ابنك في مرحلة المراهقة نفسها ثم سنتعرض بإذن الله معاً بشكل تفصيلى في بحث أخر أساليب العقاب وكيف أن العقاب فى الإسلام لا يُعتبر كل بل هو بمثابة فشل تربوى أساسه عدم وجود بدائل إبداعية هدفها التربية مع أن العقاب له أساس للإحتياج و لكن لا ينفذ إلا لحاجة ملحة و مع عدم وجود بديل ناجح أخر.

تعتبر تربية الأبناء أمراً سهلاً ميسوراً في بعض الحالات وعند بعض الآباء مع أبنائهم ولكن على النقيض قد ترى أو تسمع عن بيوت تعتبر نموذجاً للمعارك الحربية وذلك بسبب الصراعات اليومية من ارتفاع صوت أو خلافات أسرية مستمرة أو قد تجد داخل الأسرة تحالفات وتكتلات بيتية . 

العجيب أن كل هذا قد تجده فى بيوت بعض العاملين للإسلام والمُعتبرين من المصلحين فى المجتمع ، تلك الشخصيات التى يظهر تأثيرها الخطير فى تربية المجتمع من حولها ثم إذا تفحصت حالتها الإجتماعية و نظرت إليها فى دارها تجدها شخصيات سطحية وهامشية ولا موضع لها من الإعراب ، فلا تتخيل عندئذ أن تلك بيوتهم أو تلك أسرهم.

 الغريب أنك تنظر بعين العجب لبيوت كثير من المتخصصين فى التربية من المدرسين أو المدرسات وكذلك أصحاب الرسالات أو الدراسات و كذلك من المحاضرين أوالمحاضرات .. 

فكل هؤلاء إذا تفحصت بيوتهم بنظرة متفكرة و متأنية تتعجب من كون أن هناك نسبة غير قليلة منهم تكون صاحبة فشل فى البيوت تربوياً !!

وتجد أبنائهم على النقيض من رسالتهم و عادة ما يسيرون في طريق غير طريق آباءهم بل وتجد أن تأثير هؤلاء الآباء عادة ما يكونون خارج بيوتهم وفى مجتمعهم لهم تأثير أضعاف أضعاف تأثيرهم فى بيوتهم . 

وهنا يظهر السؤال الذى نحتاج أن نجيب عنه

 وهو لماذا ؟ 

لماذا تفشل بيوت بعض الدعاة المتمرسين فى تنمية المجتمع ؟

لماذا تنهار تربوياً بيوت بعض المتخصصين فى التربية ؟

لماذا يكون الأمر إذا كان الوالدين من الناجحين هو فشل الأبناء فى الغالب ؟

لماذا كثر استعمال الناس للمثل الدارج ” يخلق من ظهر العالم فاسد ومن ظهر الفاسد عالم ” ؟

لماذا اختلفت المعايير الأخلاقية السليمة من الأسرة ؟ 

 

إجابات كل تلك الأسئلة تتمركز حول نقطتين أساسيتين يتم من خلالهما تفرع للمعطيات الكثيرة التى من الممكن أن تجدها فى البيوت .

هاتين النقطين هما :

 

  1. ضعف أساليب الحوار بين الآباء والأبناء .

ويتفرع من هذه النقطة إما انعدام الاتصال أساساً فى الأسرة أو أن تكون الأسرة مثالاً للحرب العلنية القائمة بين أفرادها .

  1. انعدام التنوع فى أساليب التربية .

و خصوصاًً في الشد والجذب مع الأبناء ، ثم شدة أساليب العقاب المستخدمة والقائمة على الحلول السهلة الغير واقعية والتى يلجأ إليها الآباء فى تعاملهم مع أولادهم و ذلك بإستغلال السلطة الممنوحة لهم كأولياء للأمور.

 

مع السببين السابقين من العسير أن تحيا الأسرة فى سعادة وفرح فإن أساس الأسرة يعتمد على وجود ألفة وحب بين أفرادها ، وتلك الألفة التي نفتقدها هى التى تصل بأفرادها إلى بر الحب والأمل والحرص على مشاعر الآخرين وخصوصاً مشاعر أفراد الأسرة . 

فأما السبب الأول و القائم على ضعف أساليب الحوار فإن الألفة الأكيدة التي فيها سعادة جميع أفراد الأسرة لن تتم بدون حوار .

وأما السبب الثاني و القائم على عدم تنوع أساليب التربية و استسهال وسيلة العقاب سواء كان ذلك مع شدته أو سواء كان نموذجاً للظلم .

فلهذا نحرص معكم أيها الآباء و في هذه الصفحات القليلة أن نستعرض أساليب فنية مُبدعة تتناول الأسباب العامة لإنماء الألفة والحب وفيها تنمية أساليب الحوار وحُسن استخدام استراتيجيات التربية مستغنيين بها عن استراتيجية العقاب مع وجود العقاب معنا كحل أخير و ليس كحل أولي كما هو الحال الأن مع معظم أولياء الأمور.

 

سؤال و اسلوب اجابة

نحاول أن نستعرض فى هذا الأمر قصة جميلة ، فكما نعلم أن القصة أبلغ تعبيراً من المشاعر والأفكار بل والسلوك و لها التأثير المُعبر في نقل الأهداف و المعاني و الأفكار . و يتوقف حجم إستفادتك أيها المُربي من هذا السؤال تبعاً لإسلوبك في تقّبُل المعلومة . 

  • سأل طفل والدته سؤال فقال :

الطفل : ما هو الـ NLP ؟ ـ  (Neuro linguistic programming) ـ

الأم : هو اختصار لكلمات باللغة الإنجليزية تعنى البرمجة اللغوية العصبية ؟

الطفل : وما معناها ؟

الأم : سوف أخبرك يا حبيبي خلال دقيقة واحدة ، ولكن يجب عليك أن تفعل شيئاً أولاً حتى تفهم معنى هذه الكلمات .

هل ترى جدك وهو يجلس هناك على الكرسي ؟

الطفل : نعم .

الأم : اذهب واسأله كيف حال آلام مفاصله اليوم وخصوصاً آلام ركبته ؟

ذهل الطفل إلى الجد وسأله .

الطفل : يا جدى كيف حال آلام ركبتك اليوم ؟

الجد : ياه الحمد لله ، و لكنها اليوم أسوأ قليلاً، يا بنى إنها دائماً أسوأ فى الجو البارد وخصوصاً فى أيام الشتاء ، فأنا اليوم لا أستطيع تحريك أصابعى إلا بصعوبة شديدة – وظهرت عندها لمحة ألم على وجه الجد – .

  • ثم عاد الطفل إلى والدته ثم قال :

الطفل : لقد أخبرنى جدى أنها سيئة، وأنا أعتقد أنها تؤلمه بشدة !!

 والآن هل ستخبرينى ما هو الـ NLP ؟ 

الأم : فى خلال دقيقة واحدة و لكن انتظر .. هذا وعد ، والآن اذهب إلى جدك ثانية ثم اسأله ما هو أكثر شيء يثير الضحك قد فعلته يا حبيبى – تعنى الطفل – عندما كنت صغيراً .

  • وعاد الطفل من جديد ليسأل الجد هذا السؤال الجديد فقال :

الطفل : يا جدى ما هو أكثر شيء فعلته أنا يثير الضحك عندما كنت صغيراً ؟

ابتسم الجد ورفع وجهه وكأنه ينظر إلى السماء .

  •  ثم قال :

الجد : ياه ، لقد كان هناك أشياء كثيرة ، كثيرة جداً . 

  • وارتفع عندها صوته ضاحكاً ، ثم قال :

الجد : فى يوم من الأيام كنت تريد أنت وأصحابك أن تلعبوا بالثلج فكانت النتيجة أن حجرتك أصبحت كلها بيضاء بواسطة مسحوق الغسيل الذى رششته على الأرض .

ثم كان هذا اليوم الآخر الذى أخذتك فيه وأنت صغير وذهبنا لنتمشى وكنت يومها قد تعلمت أنشودة جديدة فوقفت وسط الحديقة ورفعت صوتك بالغناء. فجاء رجل كبير ونظر إليك نظرة شديدة تعبر عن الغضب فقد كان يعتقد أنك مزعج للغاية وطلب منى هذا الرجل أن أجعلك تصمت، وعندها التفتّ أنت إليه وقلت له بصوت غاضب :” لو لم يُعجبك غنائى ، فاذهب وتعلم الغناء فأنت لا تعرف معنى أن يكون الصوت جميلاً ” وبدأت ترفع صوتك أكثر فأكثر . 

وهنا ضرب الجد كفاً بكف وهو يضحك .

  • عاد الطفل إلى أمه فسألها 

الطفل : هل سمعتى يا أماه ما قاله جدى ؟ 

الأم : نعم .

والآن لقد قمت أنت بتغيير مشاعر الجد بواسطة بضع كلمات .. أليس كذلك؟

 فهذا هو الـ NLP ، أو البرمجة اللغوية العصبية ، فهو الوسيلة التي تجعلك تغير حالتك النفسية بواسطة بضع كلمات لغوية . 

تلك القصة الممتعة تحمل أساليب حوارية كثيرة قد نُجمل شىء منها و لكن كون أن السؤال غريب لا يعني بالضرورة أنه ليس له إجابة و لكن المهم هي كيف ننقل هذه الإجابة ، و كيف نستمع معها بالتعليم و التربية و الجميل في الأمر أن الإسلوب المثالي في هذا الحوار يعتمد على إكساب الطفل العديد من المهارات لا شك سيحتاجها الطفل في حياته القادمة و المهم أن نستدركها في هذه الفترة من حياته و نجمل شئ منها فى تلك الملاحظات القادمة :-

  • كان سؤال الطفل صعباً وشاقاً وغريباً ولم ترد عليه الأم في لحظتها .
  • إجمالى الوقت الذى مكثه الطفل مع جده أكثر بكثير من الوقت مع أمه (برغبتها) .
  • علمت الأم ابنها كيف يستفسر عن الأشياء (استراتيجية السؤال) .
  • أكسبت الأم ابنها مهارة اللباقة فى الحوار .
  • أكسبت الأم ابنها ثقة عند الاستفهام .
  • علَّمَت الأم ابنها منهجية التفكير .
  • كانت تربية الأم لابنها بشكل عملى .
  • لا يهتم الطفل عادة بكيفية الحصول على الإجابة ولكنه يهتم بالإجابة نفسها.
  • الأفضل أن يتعلم الطفل إمكانية الحصول على الإجابة من مصادر مختلفة.
  • لو سألت الطفل الآن ما هى البرمجة اللغوية العصبية، فلن يخبرك كل تلك القصة ولكنه سيخبرك شىء آخر . 

 

أتتخيل ماذا سيكون رده ؟ .

 

من أساليب الاتصال 

دعنا نسأل أنفسنا سؤالاً مهماً .

لماذا يكون الأجداد أكثر تأثيراً على الأطفال من آبائهم وأمهاتهم؟

هذا السؤال حير الكثير من علماء التنمية البشرية وكانت النتيجة طيبة حيث اتضح للكثير من الملاحظين أن إسلوب التعامل واحد تقريباً بين الجد و حفيده و ذلك في كل بقاع الدنيا على اختلاف أشكالها و معتقداتها و لكن الغريب أن كل الأجداد كانت لهم نفس المفاهيم و كأن تجربة حياتهم كلها أوصلتهم لتعلم نفس الخبرات و لكن بشكل عملي و إسلوب التربية غير معروف ، أي أن لا مدرسة واحدة علمتهم و لا اتبع كل هؤلاء الأجداد منهج تربوي واحد ، بل هي الحياة !!

و لهذا اعتقد الكثيرون أن دراسة هذا المنهج الرباني القائم على الخبرات المُكتسبة من مواقف الحياة ربما يساعدنا في تعليمه للأباء الأصغر سناً و هذا مما قد يرفع من مستوى الأساليب التربوية جميعها و كذلك مستوى الإتصال مع الأطفال ، و بناء على هذا الإفتراض وُضِعَت أساليب حوارية تتمثل فى عدة نماذج أهمها قائم على اسلوب تعامل الجد الأب مع أحفاده و خصوصاً من هم أكبر من سنتين و من هم تحت الست سنوات و كذلك إسلوب الجدة الأم مع أحفادها و خصوصاً من هم أقل من سنتين . 

الأمر المهم في إسلوب تعامل الجد مع أحفاده وخصوصاً الأحفاد تحت سن السادسة، وكذلك إسلوب تعامل الجدة مع أحفادها وخصوصاً الأحفاد تحت سن الثانية يكمن في أننا من الممكن أن نُعمم هذه الأساليب مع كل الأطفال في تعامل آباءهم معهم و من الممكن كذلك استخدام تلك الأساليب في التعامل مع الأطفال بعد ذلك أو مع الأصدقاء أو كل المحيطين بنا لأن المميز في تلك الأساليب أنها عامة و شاملة. 

اسلوب كبار السن في التعامل مع الأطفال و بالتحديد الجدود و يسمى بالإنجليزية 

(Grandparent Child)  و الذي ينقسم إلى نوعين نوع فيه تعامل الجد أحفاده و الأخر إسلوب الجدة مع أحفادها . كالأتي : 

  1. إسلوب الجد مع الأحفاد  (Grandfather Child) .
  2. إسلوب الجدة مع الأحفاد (Grandmother Child) .

إسلوب الجد مع الأحفاد 

“Grandfather Child”

كان الغريب مع الأولاد أنهم يصلون إلى مستوى من الحوار مع أجدادهم لا يقتربون به عادة مع آبائهم أو أمهاتهم، وكان مثار الغرابة فى ذلك أن الغالبية العظمى من الأحفاد يعشقون جدودهم وليس ذلك فحسب بل و يحبون كل رجل كبير فى سن أجدادهم، ولا يرتبط ذلك الحب بمجرد الرؤية ولكنه يترسخ ويصل معه الطفل إلى مرحلة متقدمة من مراحل الألفة عندما يبدأ ذلك الطفل بالتعامل مع الجد أو من فى سنه.

و تعددت ظنون علماء التنمية البشرية يومها في نطاق مجال البحث الإجتماعي و كانت إحدى أهم الظنون  أنه من الممكن أن يكون السر فى اللون الأبيض أو اللون الرمادى – لون الشعر – . ولكن بعد طول البحث و التدقيق اكتشف العلماء أن السر يكمن فى إسلوب التعامل الجسدى بين الجد وحفيده !! …

فتجد أن الجد عادة إذا ما اقترب من حفيده، يكون مبتسماً فى الغالب، ثم يفتح ذراعيه وكأنه يستقبله فى أحضانه، هذا النموذج من الإحتضان الذى يدل على الاحتواء والأمان والطمأنينة كل تلك المشاعر يبعثها الجد لحفيده بمجرد ابتسامة بريئة و كذلك مظهر تمثيلي يعُبر عن الحب.

ثم تجد الجد لا يبدأ بالحديث عادة مع حفيده وهو فى مستوى جسدي أعلى منه. أى لا تجد الجد يخاطب الحفيد والجد واقف مثلاً و قامته منتصبة و يكون حفيده عندها واقفاً هو الأخر كذلك، لأن اختلاف طول كل منهما. يعطى انطباعاً داخلياً لدى الحفيد بابتعاد ذلك الشخص عنه و كأننا نُذكر الطفل باستمرار بأن هذا الشخص أكبر منه سناً، حجماً، وأكثر سلطة وحركة .

ولكن الجد يتفاعل مع الحفيد بإحدى طريقتين. فإما أن ينزل بجسده حتى يجلس على الأرض فيكون فى مستوى الحفيد طولاً ثم يتباسط معه في الحديث ليُصبح في مستواه فكراً . أو أنه على النقيض يهبط إلى الحفيد ثم يحمله فيرفعه إلى أعلى فيخاطب الطفل  في مستواه أيضاً ، أي يتباسط معه في الحوار و كأن الجد قد أعان الطفل في الوصول أحد أهم أهدافه المرحلية و هي أن يصل بطوله ليصبح بطول كل العمالقة من حوله .

ـ هذه هي رؤية الطفل لكل من حوله فهو يتعجب لماذا هو أقصر طولاً من كل من حوله و لا يجد إجابه داخل عقله بالطبع ـ.

وكأن الطفل وهو يرى الجد يتباسط معه إلى هذا المستوى قد اتخذ قراره أن يرد له الجميل فيتعامل مع الجد بامتنان فيكون معه هين لين سهل في الكلام و الحوار بل و يستمع لكلامه و عادة ما يُنفذ أوامر الجد بكل حب .

أما الآباء فعلى النقيض تجد أن تعاملهم مع أولادهم عادة ما يكون أحد شكلين اثنين ، أى أن الأب يقف موجهاً كلاماً لاذعاً للابن ويكون فى العادة أن الأب يقف وهو مشيراً بإصبعه السبابة ويحرك يده لأعلى وأسفل وكأنه يُذكر ابنه بأن هناك عصا فى انتظاره إن لم يفعل كذا وكذا . و أما الشكل الثاني هو شكل الحب عند مُعظم الأباء وهو أن يستمع لطفله قليلاً ثم يبدأ الطفل في الشرح و الإستفاضة و بعد ذلك يبدأ بالتعليل و التفسير و الأب مع ذلك شبه مُنتبه و الطفل لا يعبأ بكل مشاعر الأب فهو سعيد جداً لأن أبيه يستمع له و عندها يفعل معظم الأباء ما يدمر الألفه على الإطلاق فيفعل ………. !!

 أما الجد فإنه يهتم بتربية طفله بالحب والمعاملة الحسنة، لأن الجد يُحب أن يستمتع بالعلاقة مع ابن ابنه بينما الأب يستشعر بالمسئولية بشكل مُرعب فيخاف على ابنه ويحرص على نجاح ولده فتجده حريصٌ حرصاً زائداً يكون الولد مع هذا الحرص إما مستسلماً يائساً أو متمرداً فاشلاً وهما شخصيتين لا نريدهما لأبنائنا. أليس كذلك ؟!!

 

ولنفترض مثلاً 

أن أحد الأبناء قد كان يلعب فى المنزل، ثم وهو يلعب جذب إليه أحد المفارش فوقعت إحدى الزهريات فانكسرت . 

فإن حدث هذا الأمر و علم الأب أو الأم فإن التعامل يتم كالآتى عادة :-

الطفل ” عادة ما يكون خائفاً بسبب الخلفيات السابقة لديه بعد أن يفعل مثل هذا الشىء فإنه ينال التقريع و تكون عاقبته إما رفع اليد عليه أو أنه يتم ضربه ضرباً مبرحاً ” . فتجد الطفل عندها يجرى ويختبئ بعيداً عن موقع الحادث .

الأب : ماذا فعلت ؟

الطفل : لم أفعل شيئاً .

الأب : هل أنت الذى كسرت الزهرية ؟ – بصوت عال و كأنه يصرخ فيه – .

الطفل : لا .

الأب : وكمان بتكدب !!

 هل أنت الذى كسرت الزهرية أم لا ؟

الطفل : لا .

الأب : يعنى فسودى وكمان كداب . إنت شكلك كده عاوز تنضرب !! .. 

على العموم ثمنها هينخصم من مصروفك . و حنشوف موضوع الضرب ده بعدين !!

الطفل : (خائفاً وقد لا ينطق ، وقد يبكى ، المهم أن حالته سيئة للغاية) .

ولك أن تتخيل حالة الطفل النفسية مع كل هذا الرعب الذى تولد لديه بسبب شىء هو من وجهة نظره تافه، بل لم يكن له دخل فيه .

فإن الولد إن تحدث إلى نفسه فإنه يقول : قد كنت ألعب بالمفرش ، الزهرية وقعت .. أنا ذنبى إيه ؟ 

وهذا بالطبع رداً منطقياً و واقعياً و صادقاً و بالطبع لا يسمح لنا أنا نحاسب الطفل  بهذا الشكل العدوانى الظالم، فإن الأب يستغل جسده بشكل سافر، حيث يقف مُقضباً وجهه عاقداً حاجبيه وهو ينظر لابنه من أعلى و عندها الابن ينظر لأبيه من أسفل. 

كل تلك الإشارات المُتعارف عليها في لغة الجسد ( Body Language ) ليست فى مصلحة الابن ، فأنت أيها الأب تنشىء حالة من الانهيار الداخلى لدى طفلك دون أن تدري ثم تعود فتسأل نفسك و لكن بعد مرور الزمن لماذا أصبح ابنى ضعيف الشخصية ؟!!..

أيها الوالد أنت السبب ..

والآن فلنستعرض معاً إسلوب الجد فى التعامل مع الحفيد فى نفس الموقف مثلاً .

الطفل – بعد أن يجرى ويبتعد عن موقع الحادث – .

الجد : ما هذا ؟ من الذى فعل ذلك ؟

الطفل : مش أنا .

الجد : طيب مين اللى عمل كده ؟ – يعتمد الجد على تفنيد الحجج للطفل بإسلوب التدقيق وتحليل الأفكار – 

الطفل : مش عارف .

الجد : إزاى مش عارف ؟ ده إنت الوحيد اللى كنت هنا فى الحجرة .

الطفل : يمكن القطة .

الجد : لأ طبعاً يا فالح – بضحك – لأننا كنا حنسمع صوت القطة وهى بتصرخ.

وعندما يقترب الطفل من الجد وقد وصل لمستوى ألفة جيد حيث أن الطفل الأن قد نفى التهمة عن نفسه وبدأ مع الجد فى أن يبحث عن بدائل مثل القطة و غيرها.

الطفل : مش عارف .

الجد : طب إحكيلى إيه اللى حصل ؟

فى تلك اللحظة عادة ما تجد الجد قد اقترب من الطفل ثم حمله و هو يجلس على ركبته ثم يضمه إلى صدره .

الطفل : – وقد استشعر الأمن مع جده ، وقد تجده عادة وقد فتح ذراعيه ليضم جده إليه ويدفن رأسه فى صدره .

الجد : – عادة ما يربت على ظهر حفيده وهو يكلمه فيقول – ما تخفش يا حبيبى ، بس قولى إيه اللى حصل .

الطفل : أنا كنت بلعب فى الحجرة وبعدين إيدى مسكت المفرش ولقيت الزهرية اتحركت لوحدها وبعدين وقعت. 

الجد : وبعدين ؟

الطفل : وانكسرت .

الجد : وبعدين ؟

الطفل : بس .

الجد : ومين اللى كسرها بأه يا حلو ؟

الطفل : مش أنا 

الجد : وبعدين ، الكدب حرام – وهومبتسم – .

الطفل : بس أنا ماكنتش أقصد .

الجد : ما أنا عارف، بس برضه مين اللى كسرها ؟

الطفل : بس أنا مكنتش أقصد .

الجد : مين يا ولد ؟ – وهو يبتسم – .

الطفل : – وقد أنزل رأسه ينظر إلى الأرض – أنا .

الجد : شاطر – وهنا نتعجب من الجد يكافئ الحفيد بكلامه على الاعتراف ويُهمل تعنيفه على كسر الزهرية – بس إنت كنت بتكدب ليه ؟ إنت عاوز جدو ما يحبكش ؟

الطفل :  – وقد كان ممتناً – لأ .

الجد : يعنى حتكدب تانى ولا لأ ؟

الطفل : لأ .

الجد : وأنا عاوزك كمان يا بطل لما تعمل حاجة ما تبقاش عيل صغير تخاف من إنك تقول الحقيقة يا جبان .

الطفل : ما أنا كنت خايف إنك تضربنى يا جدو .

الجد : ما أنا هاضربك برضه – وهو يضحك – .

الطفل : – متنبهاً وهومتعجب – طيب ليه ؟

الجد : خلينا نسأل نفسنا سؤال ، ماشى ؟

الطفل : ماشى .

الجد : لما بابا يجى حنقوله إيه عن الزهرية ؟

الطفل : حنقوله الهواء كسرها .

الجد : إييييه ؟ … حنكدب تانى ؟

الطفل : طيب نقوله إيه ؟

الجد : شوف إنت بأه حنقوله إيه !!! …

الطفل : مش عارف .

الجد : طيب إنت لو رحت لبابا وقلت له يا بابا أنا كسرت الزهرية، ماذا سيفعل بابا؟ 

الطفل : هيضربنى .

الجد : وإنت تستحق الضرب ولا لأ ؟

الطفل : بس أنا ماكنتش أعرف .

الجد : هل تستحق الضرب أم لا ؟

الطفل : أيوه – بامتعاض – .

الجد : طيب أنا لو جيت معاك لبابا – وهو مبتسم – .

الطفل : بابا مش حيعرف يضربنى – يتمسك الابن هنا بسلطة الجد – .

الجد : بس أنا ممكن أضربك يا شاطر وكمان ممكن أخلى بابا يبهدلك، ولكن المرة دى بس يا حبيبي حدافع عنك …. إنت عارف ليه ؟

الطفل : ليه ؟

الجد : علشان إنت اعترفت إنك إنت اللى كسرتها، وكمان لأنك مستعد تتحمل المسئولية، مش كده ؟

الطفل : أيوه .

الجد : و برضه حتروج تقول لبابا بنفسك ، صح ؟

الطفل : أيوه .

الجد : بس لازم تعرف إن ثمن الزهرية سيتم خصمه من مصروفك يا مُحترم علشان نجيب زهرية ثانية مكان اللى كسرتها .

الطفل : بس…. 

الجد : من غير بس ، ولا إيه ؟

الطفل : ماشى كلامك يا جدو .

الجد يضم الابن إلى صدره وقد حقق كل ما تصبو إليه نفسه :-

فقد استفاد اجد في تربية حفيده كالأتي :

  • استمتع الجد بالحديث مع الطفل .
  • استمتع الجد بتعليم الطفل .
  • تعلم الطفل منهجية التفكير فى البحث .
  • تعلم الطفل أهمية تحمل المسئولية .
  • تعلم الطفل إمكانية الاعتراف .
  • تعلم الطفل أن الكذب حرام .
  • تعلم الطفل أن الفعل السيئ سيعقبه حرمان فترة طويلة من المصروف .
  • تعلم الطفل أن القرار فى المنزل مع الأب .
  • تعلم الطفل ألا يخاف .
  • تكونت لدى الطفل نواة الشخصية الناجحة .

 

وأنت أيها الأب ألا ترى أن هذا الإسلوب من السهل أن تمارسه مع ابنك فتستمتع بتربية ولدك ويستفيد ابنك من كل تلك الصفات التي ستربيه عليها ويكون الأمر مثالاً لقول الله عز وجل : 

” المال والبنون زينة الحياة الدنيا “

ألا تحب أيها الأب أن تستمع لكلمات الثناء على حُسن أدب والتزام طفلك، ألا تريد أن تستشعر أحاسيس الفخر بنجاحك فى تربية ابنك .

كل ذلك لن يكون إلا بإتباعك أساليب الحوار الإيجابى ، تلك الأساليب التى نتحدث عنها هنا وبالمنهج الذى تكلمنا عنه فى كتاب ” منهجية التفكير” حيث أن المنهجية ترسخ الهدف أما الطريقة فيهتم بها الإسلوب .

ولذلك فإن علماء التنمية البشرية عندما تحدثوا عن إن التفكير فى المشكلة و كيف أنه من الممكن أن يجعل المشكلة أصعب فى الحل و ذلك لأن منهجية حل المشكلة هى التى تؤثر على القرار الذى سيتم اتخاذه فإن أنت نظرت إلى المشكلة بشكل سلبى فإن كل افتراضاتك ستكون غير بناءة و لن تكون بالطبع افتراضات ايجابية رغم أنها من الممكن أن تكون افتراضات واقعية ولكنها تميل للاستسلام أكثر من كونها تميل للتحدي فى البحث عن الحلول .

 

تمثَّل ابنك رجلاً 

نتعجب من بعض الآباء الذين ينتهجون إسلوباً معيباً فى التربية . هذا الإسلوب الذي كان قد سمع عنه أو رآه بنفسه أو حتى كان قد تربى عليه هو نفسه فأُعجب بالإسلوب وبالطبع بالنتيجة ، فصار الأمر يحمل داخله اعتقاداً داخلياً بأن هذا الإسلوب على عيوبه أو سلبياته هو أفضل إسلوب ثم أغلق سمعه وبصره عن أى أساليب أخرى سيكون هو المستفيد الأول منها فى حياته وحياة أولاده .

إننا إن فسرنا المعتقدات فى الأساس والتى تمثل هنا إسلوب التربية الأمثل من وجهة نظر بعض أولياء الأمور ، مثل التعامل مع الأبناء بالضرب باستمرار، فإن تلك المعتقدات ما هى إلا حدود نضعها لنتحرك داخلها ، فنحن لا نستطيع أن نحيا حياتنا ضائعين فى العالم الفسيح دون قيود تحكمنا ولهذا كان الحديث الشريف الذى

 يقول فيه صلى الله عليه وسلم :

” الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات … كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها “

 فرسول الله صلى الله عليه وسلم يضع القيود العامة للحياة بين استحلال الحلال وتحريم الحرام وينهانا صلى الله عليه وسلم أن نقترب من حدود الحرام حتى لا نقع فيه .

ويقول صلى الله عليه وسلم :

 ” لاعبوا أولادكم سبع، وأدبوهم سبع، وصاحبوهم سبع ثم اتركوا لهم الحبل على الغارب ” .

كل تلك هذه القيود والمعتقدات التى يجب أن نلتزم بها  .

فإن ” المعتقدات هى التى تصنع عالمنا الاجتماعي ” 

لأنك أيها الوالد إذا اعتقدت أن ابنك فاشل أو فاسد فسوف تعامل ابنك في كل مواقف حياتكم معاً بل ز سيتعارف الأفراد من حوله على أنه كذلك وبالتالى تسشعر أنت  وكل الأفراد من حوله بأن هذا الطفل لا يستمع للأوامر ولا ينفذها بل وسيظن الجميع أيضاً أنه أى الطفل الذي هو طفلك ، الذي هو ابنك فلأنه فاشل او فاسد فإنه سيفشل فى تنفيذ أى مهمة تُسند إليه لأنه لا يستطيع القيام بها أو لأنه سيفسدها لأنه سيء الطباع ، وعندها سيبتعد الناس عنه وستكون تعليقاتهم كلها له تُفيد إما التقريع وإما النصح ، 

  • فهذا يقول له ناصحاً : لا أُريدك أن تُفسد هذا الأمر هذه المرة !!
  • و أخر يقول : أريدك أن تفعل شيئاً واحداً صحيحاً مرة واحدة في حياتك !!
  • و ثالث يقول : أياك أن تفشل هذه المرة مثل كل مرة !!
  • و رابع يقول : لا أمل فيك ، فأنت ستفشل هذه المرة أيضاً !!

و خامس و سادس و سابع و كل هؤلاء بسببك أيها الوالد !! و كل تلك المشاعر ستحمل لإبنك الكثير من الرسائل السلبية وهذا ما سيتسرب بلا شك إلى نفسية الطفل حتى إنه سوف يتجنب أن يكون موجوداً وسط المجتمع على الإطلاق فينطوى و ينعزل عن هذا التواجد الإجتماعي لأن المجتمع ينظر إليه نظرة الفشل أو حتى يتعاطف معه فينظر إليه نظرة الرأفة والمواساة .

أو على النقيض فإن هذا الطفل قد ينتصر على مشاعر الإستسلام التي من الممكن أن تسيطر على نفسيته فتجد أن هذا الطفل سوف يكون كثير الظهور فى وسط الاجتماعات كلها و ذلك لأنه يستمتع بنظرة الحذر التى يراها على وجوه الناس من حوله بل ويتعمد الإفساد حتى يرى نظرات الخوف فى عيون كل من يحيطون به ، لإنه يعتقد أن كل الناس من حوله متأمرين في الفتك به و لذلك فإن الواجب على الطفل من وجهة نظره أن يرد عليهم و بقوة لكي يتعلموا الأدب و لكي يتعلموا كيف يتعاملون مع الشخصيات القوية مثله ـ الطفل ـ و هذا في وجهة نظرة و عندها يصل الطفل لإن يجد المُبرر لأن يُعلن الحرب على المُجتمع من حوله .

أى أن مُحصلة اعتقادك السلبي أيها الوالد في فشل طفلك أو فساده ستكون هي السبب في كون ابنك سيصير كما تتخيله !!

وأنت أيها العاقل الحنون ….. أنت السبب .

أما إذا اعتقدت فى طفلك أنه ناجح ومؤدب ، فكما قلنا 

” إن المعتقدات تصنع عالمنا الاجتماعى “

فإن المتوقع أن تعامل طفلك على أنه ناجح ومؤدب فإذا كانت نتيجته فى المدرسة على غير المتوقع فإنك ستحضره أمامك ثم ستسأله سؤالاً  مباشراً

فتقول : لماذا فرطت فى نجاحك ؟ 

لماذا تنازلت عن المركز الأول ؟

عندها فقط سيعلم الولد فى داخله أنه ناجح وأن المركز الأول له وحده وفقط ، وبالمثل فإن هذا الشعور سينتقل إلى المجتمع من حولك فتجد كل أقربائك يسألون ابنك وبك فخر

  • فيقول الأول : هل أنت الأول على المدرسة أيضاً أم على الفصل فقط ؟
  • و يقول الثاني : هل سبقك أحد زملائك هذا الشهر أم إنك الأول أيضاً ؟
  • و يقول ثالث : يابني حرام عليك زملائك ، مرة من نفسهم تطلع إنت الثاني ؟ 
  • و يقول رابع : مش معقول تكون السنه كلها أنت الأول ؟
  • و يقول خامس : مش نفسك مرة بجد تطلع الثاني ؟
  • و قد يقول سادس : المركز الأول على المدرسة صعب عليك بالطبع !! مش كده ؟

ماذا تتوقع عندها أن يكون مستوى ابنك الدراسي أيها الأب ، و كل ذلك لأنك في البداية أنت من ساعدت ولدك بأن تخيلته بطلاً و لذلك كان رد فعل طفلك هو الحفاظ على الصورة الإيجابية التي رأيتها فيه وعندها فقط أيها الوالد سيعلم ابنك أن مكانه حيث كان اعتقادك أنت. و بالمثل فإنك إذا اعتقدت أيها الوالد أن ابنك مؤدب فإنك سوف تعامله على هذا الأساس وسيعامله بقية أفراد المجتمع بناء على إسلوبك أنت و على اعتقادك أنت و سيراه الناس كما تراه أنت .

وستجد عندها طفلك يتحلى بالأدب وبالسكينة لأنه يحبك ولا يريد أن يغضبك ، فكما أنك أيها الوالد تتميز فى وجود ولدك فتذكر وبكل حب مآثر ابنك حبيبك وتشكره أمام الناس لأنه مؤدب ومطيع ومحب .

ألا تظن أيها الوالد أن ابنك سوف يحمل لك الجميل ويرده لك بأن يكون عند حسن ظنك و خصوصاً عند كبرك و بالتحديد عندما تحتاجه و أنت كبير أو هَرِم عجوز. 

في لحظات كثيرة يُخطئ ابنك في وقت كنت وثقت به و يكون تحت حُسن ظنك و لكن وحتى إن حدث وأخطأ الولد خطأً صعباً عسيراً فعندها ستأتى بالولد ثم تسأله:- 

الأب :هل سيفعل الأطفال المؤدبون مثل ما فعلته أنت ؟

الابن : لا .

الأب : إذن .. لماذا تنازلت عن مستواك الأدبى المرتفع ؟

و أيضاً عندها أيها الأب سيكون ابنك مؤدباً وناجحاً وأجمل ما فى الأمر سيكون ذو شخصية قوية مؤثرة تعرف الصواب من الخطأ وتعرف كيف تفرق بينهما لأنك ساعدته في بناء شخصيته و من خلال الأخطاء الكثيرة المتكررة و التي تتعرض لها حياتنا بإستمرار.

إننا يجب أن ننظر للمعتقدات بشكل عام على أنها افتراضات يمكن تغييرها لأننا نؤدى دورنا فى هذه الحياة بناء على هذه المعتقدات .

فإذا كانت النتيجة جيدة فإننا نثق فى هذه المعتقدات ونعتمدها ونسير عليها وإذا كانت النتيجة غير جيدة فإننا نقوم بتغييرها والبحث عن بدائل لها .

وهذه القاعدة فى حد ذاتها هى التحدى الأكبر بالنسبة لآباء وأمهات كثيرين رغم أنها افتراضات نشأت نتيجة خبرات سابقة . وفى أغلب الأحيان تكون هذه الخبرات ناقصة .

و لا تنس أيها المُربي : 

 

” إن المعتقدات تصنع عالمنا الاجتماعي “

 

=========

 

إسلوب الجدة مع أحفادها 

“Grandmother Child”

تتميز العلاقة بين الجدة والأحفاد بالمثل كما كانت العلاقة بين الجد وأحفاده إلا أن رعاية الجدة لأحفادها تأخذ مساراً مختلفاً ومتميزاً خصوصاً فى المرحلة العمرية للأطفال أصغر من سنتين وهى مرحلة الرضاعة .

فى خلال تلك السطور لن نستعرض التفاصيل لكل الأساليب التربوية والتى تُعبر عن مجمل خبرات الجدة فى التعامل مع الأطفال، ولكننا سننتقى إسلوباً واحداً مميزاً يُعتبر هو المُحرك الأساسي لأساسيات التعاملات مع الأطفال عموماً و هذا الإسلوب  من النادر أن يتعامل به أولياء الأمور هذه الأيام .

رغم أن هذا الإسلوب سهل وبسيط إلا أن كثيراً من أولياء الأمور لا يهتمون باستغلاله ظناً منهم حقارته ، إلا أن القاعدة المشهورة تقول : 

” التجربة خير برهان “

- الإعلانات -

فنحن نعرف أيها الوالد أو أيتها الوالدة أن رغبتك الأكيدة فى السيطرة على مشاعر طفلك و الحاجة لأن تتحكم فى أفعاله ، قد تكون هي المحرك لك لكى تتعلم بعض الأساليب الاحترافية والتى تساعدك فى توجيه تفكير ابنك ، مثلاً من السلبية إلى الإيجابية أو من الإحباط إلى التفاؤل و من التواكل إلى تحمل المسئولية.

هذا الإسلوب يتمحور حول هذا الإسلوب الجديد المتمثل في تعلم طريقة معاملة الجدة لأحفادها الرضع وخصوصاً فى محاولتها لإسكاتهم عند البكاء أو فى محاولة مساعدتهم على النوم وهاتان المشكلتان من أهم المشكلات التى قد تواجه أى أم على الرغم من أن الجدة تفعلها بكل سهولة واحتراف .

فهذا الإسلوب يرتكز على ما يسمى فى البرمجة اللغوية العصبية

 ” بالمجاراة والقيادة “

 و أننا نستعمل كلمة المجاراة والمقصود بها أننا نجتهد أن نفعل ما يفعله الطفل وبنفس الدرجة وبنفس المستوى ثم وعند تأكدنا من الوصول لمرحلة التماثل الإحترافية المتوقعة فى الحركات أو فى المشاعر أو بأن نتمكن من الوصول إلى مجاراته فى نفس المستوى سرعة تنفسه عندها نكون قد وصلنا إلى تمام مرحلة المجاراة و ذلك بأن تتشابه حركاتنا مع حركات أطفالنا و كذلك تتماثل أفعالنا مع أفعالهم ، كما إن هذا التماثل عادة ما يساعدنا للوصول لمرحلة الألفة ، ثم نمر من خلال تلك المرحلة إلى المرحلة الثانية وهى مرحلة القيادة و التى يكون من العجيب فيها أنك إن فعلت شيء فإن الطفل سيفعله مطابقة لك وتماثلاً معك . 

أعرف أنك تستغرب هذه الفكرة، وأعرف أنك قد لا تكون قد فهمتها أصلاً ولكن فلنأخذ مثالاً حول إسلوب الجدة وهو محور كلامنا فإن الأمر أسهل من أن يُكتب و هنا يتميز التدريب العملي في الدورات العملية التي يتم فيها تدريب الأباء على تلك الوسائل و أكثر من ذلك بكثير و الجميل في كل تلك المحاولات أننا نتعلمها و نعلم أن الحل معها بإذن الله و نستمتع معها بالتأثير على أطفالنا و بتوجيه حياتنا معهم إلى حيث ننجح و ينجحوا معنا .

إن الجدة إذا أخذت الطفل الرضيع فحملته وأسندت رأسه إلى كتفها وكان الطفل عندها قد بدأ بالبكاء أو كانت الجدة ترغب فى أن تجعله ينام ، تجدها وبكل احتراف بدأت بأن تربت على ظهر هذا الحفيد، وهى في ذلك تفعل الآن ما تفعله أى أم ولكن الجدة إذا فعلت ذلك فإنها تتعمد أن تربت عل ظهر الرضيع بسرعة أكبر وبقوة أشد مما تفعل أى أم، وهذا مما يثير الانتباه لأن خبرة الجدة قد علمتها هذا الإسلوب الذى لم يُكتب فى الكتب ، بل نقلتها الكتب عنها .

وكأن الجدة بفطرتها قد تعلمت أحد أهم أساليب البرمجة اللغوية العصبية وهو إسلوب المجاراة والقيادة كما قلنا ، هذا الإسلوب الذى تفعله الجدة مع الرضيع بأنها تبدأ بمجاراة الحالة النفسية للطفل وكذلك الحالة الجسدية له من اضطراب وكذلك سرعة التنفس فى حالته أثناء البكاء، فتبدأ الجدة بأن تُربت على ظهر الحفيد بسرعة تماثل سرعة تنفس الطفل وتظل على ذلك فترة قصيرة من الزمن ثم تهتم الجدة من البداية بأن تجعل شدة الضربة أكبر قليلاً من المعتاد بما لا يؤذى الطفل ولكن ينبهه و يلفت إنتباهه . وعندما تصل الجدة مع هذا الإسلوب للتماثل فى مرحلة المجاراة تبدأ عندها خطوات الجدة بانتهاج إسلوب القيادة وذلك بأن تخفف حدة ضرباتها من حيث الشدة وكذلك تزيد المسافة الوقتية بين كل ضربتين متعاقبتين، وتبدأ مع ذلك بالتخفيف أكثر فأكثر حتى تصل للمستوى الذى تبدأ فيه الجدة بذكر المقولة المشهورة . ” ننا هوووه ” ..

والتى تعتبر مثالاً للقيادة السمعية وعند هذه اللحظة فقط تبدأ الجدة بالمسح على ظهر الطفل بداية من عند ظهره ناحية رأسه و بإتجاه الأسفل و كأنها تُعيد توزيع مسارات الطاقة في مجال الطفل و هذا أمر يطول شرحة لا نستطيع التعبير عنه هنا على بالكلمات ، وتكون النتيجة مبهرة مثل كل مرة ، بأن يستغرق الطفل فى نوم عميق .

من الرائع أن تجد كل الجدات كذلك و من النادر أن تجد أماً لها نفس المهارة إلا وتجد لها عدة أبناء تعلمت فيهم ، أما الآن ومع التنمية البشرية وتأثيرها على المجتمع ونجاحها في إستخلاص تلك الخبرات من الطبيعة فإننا نتوقع من الأمهات جميعهم أن يحترفوا تلك الإساليب .. 

ولكن يبقى سؤال … 

هل سنستخدم إسلوب المجاراة والقيادة فى التحكم فى نوم الأطفال وفقط ؟

أم أن هذا الإسلوب من الممكن أن نستخدمه فى كل حياتنا معهم ؟

 

على الرغم من أن هذا الإسلوب ساحر فى حد ذاته وأنه يتيح لكل الأمهات المحترفات من تنظيم وقتهن ووقت نوم أولادهن كما إنهن وبكل سهولة سيتمكنن من السيطرة على أولادهن بمجرد استغلال إسلوب المجاراة والقيادة ، على الرغم من كل ذلك إلى أنه من الصعب إستغلاله إلا مع الأمهات الراغبات بالفعل في تطوير حياتهن ، 

 ولكن كيف ؟

إجابة هذا السؤال ترتكز على مجرد التعرف على الحالة الفسيولوجية لجسد الطفل المنفعل فإن حالته تُعبر عن نشاط حركى فهو يقفز وبكل إصرار وبكل نشاط مُصراً على تحقيق مطالبه، كما أنه يكون مرتفع الصوت فهو إما فى حالة بكاء – صُوري بالطبع – أو صراخ هستيرى ، المهم أن صوته يتميز عندها بنبرة مرتفعة ، مُتناغمة مع سرعة فى تنفس الطفل وبالطبع مع الحركة الجسدية الزائدة … 

كل تلك الأفعال والحركات النشطة غالباً ما يُعبر عنها نشاط عقلى زائد من الممكن أن يكون هذا النشاط العقلى عنيف أو سريع أو عصبي المهم أن الذبذبات الصادرة من العقل عندها تكون كثيرة و سريعة إلى الحد الذي لا يتكيف مع المُجتمع المُحيط إلا بمستوى ذبذبات متشابه مع الحالة العقلية للطفل . وكأن مرحلة الجسم هى المسيطرة هنا على الموقف الحوارى بين الأم وابنها. حيث أن سيطرة النشاط العقلى الزائد للطفل على الموقف مع والدته تكون واضحة، فهو أعلى صوتاً وأكثر حركة وإصراراً بل ولا يستمع لأى نداء .

ثم نتعجب من الأم أو الأب يحاول هنا جاهداً أن يُُسيطر على الموقف فينتقل لمرحلة القيادة فوراً دون المرور بمرحلة المجاراة ، بأن يأمر الطفل بأن يسكت أو يصمت أو أن يسمع الكلام وتكون النتيجة كالمعتاد . إما زيادة صراخ الطفل لا لأنه ولد غير مطيع أو لأنه سيئ الخلق ولكن لأن عقله النشيط فى تلك اللحظة لم يستوعب النشاط العكسى ولكنه ينتظر منك النشاط الإيجابى .

هذا النشاط العقلى العكسى الذى يُعبر عن ارتفاع الصوت الغير مفتعل من الوالد والذى يُعبر عن الضيق والرفض لما يطلبه الولد .

الذي عادة ما يكون رد الفعل العقلى للطفل عندها هو التمرد على الرفض. فيزداد إصراره ويصر على مطالبه، وعندها يلجأ الوالد لاستعمال القوة بأن يضرب ابنه أو ينهره وتكون المحصلة النهائية هى توتر في الروابط الأسرية و الذي مع تكراره قد يؤدي إلى إنهيار الحياة الأسرية المُستقرة من أساسها .

أما النشاط العقلى الإيجابى ففيه نفس الاستراتيجية السابقة والتى تحدثنا عنها فى إسلوب الجدة مع الأحفاد ، ففيها تطبيق المجاراة والقيادة ولكن باحتراف ولأن حالة الطفل العقلية هنا تكون نشيطة ودلالتها أن صوت الطفل يكون مرتفع وحركته زائدة فإن المطلوب من الأم هنا أن تُحاكي إسلوب الطفل وأن تماثل نفس درجة ارتفاع صوته ولا مانع أن يظهر صوتها وكأنها تصرخ فى طفلها ـ حيث إن طفلها في هذه المرحلة لن يظن أنك تفتعل ذلك ، بل قد لا يشعر على الإطلاق أن الأم رفعت صوتها عليه من الأساس ـ  طالما أن كلماتها وتعبيرات وجهها وجسدها لا تُعبر عن الضيق وهنا يكمن سر الاحتراف . حيث إن الطفل مع نشاطه العقلى الزائد لا يتقبل الإسلوب الضعيف فى الحوار وكأنه لا يسمعه أصلاً وكأنه لا ينسجم معه فكأنك أيها المُربي تبتعد عنه مع أول نبرة صوت تخرج منك . 

فماذا تتخيل سيكون رد الطفل عليك ..

 هل سيسكت و يستسلم لتمردك السافر على رغباته ؟ بالطبع لا ..

 

ولنعطى مثلاً نستطيع معه الفهم .

الطفل : أنا عاوز أشترى عربية لعبة !!  – قد يتغير المثل للبنات و ليكن عروسة مثلاً – .

الأم : هو كل يوم لعبة ؟

الطفل : أنا ماليش دعوة !! أنا عايز عربية !! 

هنا يبدأ الطفل عادة فى ضرب قدمه فى الأرض مع حركة يده لأعلى ولأسفل وكأنه يضرب بيده على منضدة أمامه، ويأتى بعدها ارتفاع صوته شيئاً فشيئاَ ويستمر الحال مع محاولته غلق عينيه ليمثل و كأنه يبكي استعداداً للهجوم فى المرحلة القادمة . 

الأم : هى كلمة واحدة … لأ .  ـ صوت غير مماثل لدرجة صوت الطفل ـ

تقولها الأم بصراخ وصوت عالى وكأنها هى التى ساعدت الطفل في الوصول لمرحلة البكاء العالى التي يستعد لها من الأصل ، تبعاً لنظرية المجاراة والقيادة .

الطفل : لأ ، أنا ماليش دعوة !! أنا عاوز عربية !! 

ويبدأ عندها باستثارة كل أساليبه الحركية و التي تتكيف بالطبع مع مستوى الذبذبات العقلية المُرتفعة من صراخ وحركة وبكاء مُصطنع ليحاول التأثير على الأم والتى يجن جنونها عادة .

الأم : ………………….

يكون ردها ما بين الانصياع لأوامر الطفل أو أن تنهار مقاومتها أمام نفسها فتُمسك الطفل وتضربه ضرباً مبرحاً والذى نادراً ما يكون هذا الضرب مفيداً .

 

النتيجة أن 

  • العلاقة توترت بين الأم وطفلها .
  • يتأثر الطفل نفسياً بالسلب .
  • يحن قلب الأم بعد فترة وتذهب لمصالحة طفلها وكأنها تدفعه لاحتراف هذا الإسلوب المؤثر وهو البكاء الهستيرى .
  • يعتاد الطفل على الاستسلام لرغباته .
  • يعتاد الطفل على عدم طاعة الأبوين .
  • يتعلم الطفل أساليب الكسل والراحة .

 

فعلى الرغم من أن إسلوب الطفل فى البكاء والذى عادة ما يكون مصطنعاً فإن كثير من الأمهات لا يستطعن على الإطلاق اكتشاف هذا الأمر لأن البكاء يكون مزوداً بالصوت العالى والحركات الجسدية العنيفة و الذي عادة ما يكون مُجملاً بالدموع ، كل تلك الصفات هى فعلاً صفات البكاء الحقيقى.

 لكن من المفيد أن تعلم الأم أن أحد أهم الفروق بين البكاء الحقيقى والمزيف هى زاوية اتجاه الرأس !!

 أى أنه إن كان طفلك يبكى وهو ينظر لأعلى فإن هذا الأمر مُصطنع وإن كان طفلك يبكى وهو ينظر لأسفل فإن هذا من صفات البكاء حقيقى .

ذلك لأن علوم تحليل الشخصية قد بحثت تلك الأحوال فوجدت أن تعامل الإنسان مع المشاعر سواء كانت مؤلمة أو محزنة يتشابك مع مشاعر الإنهزام و السلبة و التي يشعر بها الإنسان و حينها ينظر الشخص لأسفل ولذلك يكون البكاء مع هذا الشكل حقيقياً . 

وعلى النقيض فإن تعامل الإنسان مع الخيال والمتعة وخصوصاً التى يكون مناط تأثيرها الأشياء المُفرحة أو السعيدة و التي تولد داخل النفس تأثيرات تُعبر عن السعادة ،  تكون زاوية اتجاه الرأس لأعلى .

و حيث إن الطفل عند افتعاله البكاء يكون مستمتعاً داخل نفسه بالتأثير على الأب والأم والسيطرة عليهم والتى يُعبر عنها جسمه بالفرح بأن ينظر إلى أعلى ، على الرغم من أن كلماته وأفعاله تقول عكس ذلك .

ونحن إذ نذكر هذه المعلومة لا نريد من الأب أو الأم أن تتحين الفرص التى يكذب فيها الطفل – وهى كثيرة – ثم تقول له : أنت كذاب فليس من التربية فى شئ ولكن يُستعمل عندها إسلوب التفاهم الذى يرتكز على تعليم الطفل لمنهجية التفكير كما ورد فى الكتاب السابق .

فعندما يفتعل الطفل البكاء نرجو من الآباء أن يستمسكوا بمعانى الحكمة والسيطرة على النفس ثم يتعاملوا مع الموقف باحتراف متميز باستخدام أساليب البرمجة اللغوية العصبية و من أهمها كما وضحنا إسلوب المُجاراة والقيادة .

 

ولنستعرض نفس المثال الماضى 

و لكن لنتعلم معاً كيف تكون السيطرة مع إحتراف اسلوب المُجاراة و القيادة .. 

الطفل : أنا عاوز اشتري عربية لعبة !! – عروسة للبنات – .

عادة ما يقوم الطفل المحترف للبكاء في هذه المرحلة بالتمهيد أو قد نستطيع أن نقول بالتهديد بإصدار أصوات خفيفة تذكر الأب والأم بأصوات وحركات البكاء المزعجة .

الأم : هو كل يوم لعبة . 

الطفل : أنا ماليش دعوة !! أنا عاوز عربية !! 

يتحاور الطفل الآن على مستوى الصراخ فقد تم إعلان الرفض الغير الصريح وكأن الأم قد ساعدته على البداية فيبدأ بتغيير تهديداته ولكن رويداً رويداً فهو من الاحتراف بمكان يساعده على إدراك أن البكاء المفاجئ غير عقلانى ولن تتقبله الأم فالغرض الأساسى لديه هو رفع مستوى الضغط على الأم والذى لن يأتى إلا بالتدريج طبقاً لنظرية المجاراة والقيادة التي يحترفها دون أن يتعلمها و لكنها الخبرة . 

ويتضح لنا من الشكل الأول أن الأمر لن يكون عقلانياً ، فهذا الشكل لا يحدث إلا فى الحوادث الطارئة وعند صراخ الطفل المفاجئ عند تلك اللحظة قد تجرى الأم لتتفحصه ، فإن لم تجد فيه شيئاً تقوم بضربه أو نهره ويكون الطفل عندها قد خسر المعركة و هذا ما لا يلجأ اليه عادة إلا الأطفال الذين أفسدهم التدليل .

أما الشكل الثانى فإن احتراف الطفل والذى ساعدته براءته على اتقانه وتعلمه من الحياة فقد كانت منهجية تعامل الأم معه تساعده فيما سبق فى تعلم إسلوب التأثير عليهما وقد كان . 

حيث أن الطفل يرتفع بمستوى الصراخ أو البكاء المرتفع تدريجياً و ذلك هوينه هوينه ويتم استدراج الأم مع ذلك التأثير و بكل احتراف إلى مرحلة الصوت العالى والضغط العصبى المرتفع و كذلك توليد مشاعر الضيق الشديد .

بل لا تجد مفر من طلبات الطفل سوى أن تنفذها أو تنهار الأم أمامه فتضربه ضرباً مبرحاً ثم تراجع نفسها وتحزن من إسلوبها فتحاول مراجعة الأمور فتقدم تنازلات للطفل أكثر من التى كان يطلبها وكأنها تسترضيه و ياليتها لم تفعل ، فهى بالفعل مع هذا التصرف تكون قد أفسدته أسوأ الإفساد .

الجميل والرائع عند تصرف الطفل فى نهاية الشكل الثانى أنه عندما يعلو صوت الأم للمستوى النهائى ويكون ذلك بسبب تدرج الطفل معها من الهدوء حتى الصراخ وتكون الأم تابعة للطفل في استدراجه لها بكل سهولة لأن الطفل بفطرته قد استعمل معها إسلوب المجاراة والقيادة .

 أما الغريب فإن الطفل عند النهاية أى عند بداية الأم فى الصراخ يقوم بفعل شىء مختلف وهو السكوت المطلق و المُعبر عن انهيار تام فى معدلات الصوت والحركة لديه ويترك الأم فى المستوى العالى من ذبذبات العقل و المُعبر عن النشاط العنيف للذبذبات العقلية فيتركها الطفل في هذا المُستوى من الهياج الإنفعالي ..  وحدها .

ويكون رد فعل أى إنسان عندها رداً عنيفاً وعادة ما يكون خارج السيطرة فتكون المحصلة فى النهاية أن يصبح الطفل …

 هو المسكين وهو الضحية وهو الضعيف وهو ……………..

المهم أنك أيتها الأم أو أيها الوالد السبب ..

ولكن كيف نسيطر على الولد عند هذه المرحلة ؟ 

إن إسلوب السيطرة على الأطفال فى هذه الحالة يحتاج منا إلى فهم جيد وتركيز شديد تكون معه المحصلة بإذن الله ممتازة ، ونعود فنذكر رد الأم على الطفل عندما قالت :-

الطفل : أنا عاوز عربية لعبة .

الأم : هو كل يوم لعبة ؟

الطفل : أنا ماليش دعوة ! أنا عاوز عربية ! 

الأم : يا سلام 

تعمد الأم هنا إلى تحطيم استراتيجية الطفل فى الإلحاح فقد استجابت ، ولكن ليس المهم هنا هو نوعية الرد فقط ولكن نبرة صوت الأم وشدة صراخها وسرعة حركتها، فإن تركيزها أن تقول كلمة بنبرة صوت أعلى من صوتها المعتاد و لكن من المهم أن تكون نبرة الصوت تلك مساوية أو مقاربة لمستوى صوت وصراخ الطفل عندها ..

 كأن تقول : غالي و الطلب رخيص  !! – بصوت أعلى – .

وعند هذه اللحظة سترتبك استراتيجيات الطفل كلها خصوصاً استراتيجية الإلحاح الذى انتهى سببه بسبب موافقة الأم .

و أما إصرار الطفل فلا حاجة له إلى الآن والأهم أن الأم هى التى بدأت عملية المجاراة حيث ارتفاع صوتها ليماثل صوت الطفل سيمنح لها الفرصة أن تقوده هي إلى الهدوء بدلاً من أن يقودها هو إلى العصبية . 

الطفل : – مرتبكاً – طيب ياللاه ننزل نشتريها !! 

من المتوقع أن الطفل سيخفض من صوته عند تلك اللحظة ليبحث عن سبب يساعده فى السيطرة ثانية على الموقف . 

الأم : عاوز شكلها إيه ؟ 

والأم فى هذه اللحظة قد تعمدت أن تهدأ بصوتها أكثر فهى تنتهز الفرصة لإحكام السيطرة .

الطفل : عاوزها كبيرة . 

قد يتمهل الطفل لحظات ليتخيل شكل العربة و بمتابعة حركات العينين للطفل قد نتمكن من تحديد صحة رغبة الطفل في شراء هذه اللعبة و هل كونها حاجة مُلحة أو غير ضرورية بالنسبة إليه و سنتطرق لهذا الموضوع في بحث مُنفصل بإذن الله . 

أما كون الطفل قد تمهل في الرد فهو علامة إيجابية معناها أن توجيه الحوار أصبح بأيدينا وهذا يوضح لنا هنا أن الطفل لا يرغب فى اللعبة كلعبة ولكنه يحب الامتلاك والإلحاح ولهذا يبحث عن سبب واقعي يجعل الحصول على اللعبة بالنسبة إليه أمراً مقبولاً . 

أما الطفل الذى يستفيض فى الشرح فهو طفل قد رأى تلك اللعبة فعلاً إما مع أحد أقرانه أو فى أحد المحلات وفى كلتا الحالتين سنبحث معاً عن الرد المثالى .

الأم : – وهى تنتظر الطفل و هو يتخيل – طيب أنا مش فاضية .

 يعنى عاوز تفهمنى إنك عاوز عربية وخلاص .

 يعنى أى عربية .

 و برضه زي كل مره بتعلى صوتك وبتصرخ وكمان عامل دوشة وكل ده ومش عارف إنت عاوز إيه ؟

مع ارتفاع حدة الكلمات يُفضل أن ترتفع الأم بنبرة صوتها رويداً رويداً، فحركة الإرباك هذه ليس لها رد عند الطفل إلا إنهيار كل استراتيجياته التي أعدها مُسبقاً .

ثم تكمل الأم قائلة :

الأم : – وهى تحاول أن تضم الطفل إلى صدرها – بص يا حبيبى ، أنا كان نفسى أخليك كويس، وشاطر وكمان كان نفسى أشتريلك كل إللى إنت عاوزه ، بس إنت عارف لو أشتريلك حاجة مالهاش لازمة ممكن يحصل إيه ؟

الطفل : إيه اللى ممكن يحصل ؟

الأم : يمكن الفلوس اللى معانا تخلص وممكن كمان مانلاقيش فلوس نجيب بيها أكل، ونعيش جعانين .. إيه رأيك ؟ 

الطفل : ……………………

و هذا نموذج رد واحد و بالتأكيد هناك الكثير من الردود التي قد تكون أفضل من هذا الرد بكثير و لكننا هنا لا نتكلم عن طبيعة الرد و لكننا نتكلم عن كيفية تقمص الحالة الجسدية المُتميزة و التي ستساعد أي أم في السيطرة على تمردات ابنها بما يجعلها تكتسب مهارة الفوز المُطلق في مرحلة الصراع التربوي مع الأطفال ، فما أمتع النصر في إحتراف الإتصال مع الأطفال .

إن الصراع الذي يظهر بين الأم والطفل عادة ما يكون غير متكافىء حيث الطفل الذى يمتلك كل الإمكانيات البشرية المؤثرة فى التفاوض من البراءة والضعف والإلحاح والرغبة والقدرة على السؤال، فكل تلك المهارات هى ما تجعل أى طفل من أفضل المفاوضين . 

ونحن هنا فى تلك الكلمات نوضح للآباء والأمهات كيف أنه وبمهارات بسيطة تمكنك من التعامل مع طفلك على مستوى المحترفين فى التفاوض، ولأنك أيها الوالد تمتلك وسيلة الفشل الأساسية وهى العقاب والذى يُسهل لك الوصول لترجيح كفتك الحوارية ولكنك على المستوى الآخر تفقد أهم عوامل النجاح وهى فشل المفاوضات مع طفلك، الذى بلا شك سينتقض مهاراتك وسيرى ضعفك الحوارى بكل وضوح، وستتكشف الحقائق التى تثبت له بكل إمعان أنه أقوى منك وأنه يمتلك كل الوسائل التى تساعده على السيطرة حتى إذا مرت الأيام و وصل طفلك للمرحلة التي أصبح فيها هو أكبر منك جسداً و أطول طولاً و أكثر قوة منك ، فعندها من الممكن أن يستغل ابنك نفس سلاحك الذي طالما استخدمته معه .

و بالطبع نحن السبب ..

ولنا معاً نظرة أخرى مع المحترفين الذين يستمتعون بالتمايز بينهم وبين بعضهم فإذا كان الطفل يفتعل تلك الأساليب بالفطرة فهو أكثر احترافاً منك أيها الأب لأنه يكتشف تلك المهارات بنفسه ولا يتعلمها كما إنه سيتعامل معك بوسائل جديدة إذا تعلمت أنت أيها الأب كيف تتعامل مع أساليبه القديمة، و سيتعمد تطوير أساليبه القديمة لتصير جديدة و سيتعلم كيف يتميز في الحوار الفردي و كيف يحترف المناورات الفكرية و كيف يتعمد إحراجك أمام أصدقائك و كيف يجاريك في كلماتك ثم يفعل ما يحلو له ، و لكن ستضمن مع كل ذلك أن ابنك يُقر لك بالإحترام فقد كنت تحترم أفكاره و أساليبة فلا تستغل سلطتك و لا تلجأ إلى الضرب و التعنيف إلا فيما ندر وستصير الحياة عندها أكثر إمتاعاً ما بين محاولات طفولية بريئة وردود أبوية ممتعة.

 وهكذا تصبح حياتنا سجالاً نحب فيها أطفالنا ويكون لنا مع هذا الحب السيطرة التربوية الكافية لتوجيه ميوله ورغباته إلى اختيار الأصلح والاتزان فى المطالب والحاجات وسنعمل مع كل ذلك على تطوير أنفسنا ومهاراتنا ، فيجب أن نستعد لهم ، فهؤلاء الأطفال هم أبنائنا نحبهم ونبذل جهودنا لكى نوفر لهم الحياة الكريمة والمستقرة .

 

حكمة أب

في محفل إجتماعي مهيب و لأول مرة يجتمع الآباء و هم يفخرون بأساليبهم التربوية مع أبنائهم ، و يستعرض كل منهم مهاراته الشخصية و حُسن إسلوبه و إدراكه و تفاعله و إتقانه في تربية أولادهم ، بل و يفخرون بإرتفاع أبنائهم عن المنافسه لأن أبنائهم أفضل بكثير من أبناء غيرهم .

و تجد كل أب يذكر محاسن ولده و إبداع هذا الولد و تألقه و يحكي عنه و يتندر بالموقف الفلاني أو الحادث العلاني و كأننا نحيا في عالم العلماء و الفقهاء و المتميزين الذين هم أبنائهم .

 ثم يتوقف كل أب فجأه عندما تسأله عن ماهية المعيار الحقيقي الذي يُعتبر به إبنه أفضل من غيره ، فإذا سألت الوالد عن هذا المعيار الأيماني

 فقلت له : كيف حال ولدك مع الله ؟

تجد الأب يتململ في حديثه و كأنك قد تعمدت إحراجه ، 

فيقول : الحمد لله .

فإذا أصررت فسألته ثانياً و كأنك تتأكد و تطمئن على صلاح هذا الإبن البار، 

فتقول : كيف حال ولدك المثالي هذا مع الله ؟ 

فيرد الأب : الحمد لله ، سيأتي اليوم الذي يتعقل فيه !!

و هنا تتفجر المفاجأه .

أن معيار الآباء لم يعد كما كان الحال على عهد آبائنا و كما كان الحال في تربيتنا نحن ، إن التميز الأن صار عند الشباب متمثل في مجموعة مصطلحات مثل ( الروشنه ، الفرفشه ، الفهلوة ، الضحك على الغير ) أو كما كنا نسميها نحن بالمعنى الصريح ( النصب أو التدليس في الأفعال و الأقوال و الكذب و السرقة من كل إنسان ) .

يجب أن نواجه الحقيقة لكي نتعلم منها ، إن اختلاف المعايير أو تسميتها بأسماء غير أسمائها الحقيقية هو ما يدفعنا و يدفع أبنائنا معنا للهاوية و هو ما يؤثر في إنهيار المجتمع من حولنا و للأسف أيضاً نحن السبب .

فإذا أردنا أيها الأب أن نُقيم حياة إبننا ، و أن نرى معاً إن كنا قد أحسنا تربيته أم لا ؟ ، و إذا أردنا أن نعرف المستوى الحقيقي لهذا الإبن وسط الأبناء الناجحين من أبناء غيرنا …

 فلنسأل أنفسنا هذا السؤال المهم ..

 هل أعطينا هذا الإبن من وقتنا أكثر مما أخذ أصدقاءنا ؟ 

أو هل جلسنا مع إبننا نُلاعبه و نُربيه أكثر مما جلسنا مع أصحابنا نسامرهم و نحاكيهم ؟

و كادت جلسة الأباء تلك أن تنتهي حتى بدأت الأسئلة المهمة في البزوغ فثم و بعد الحوار المشوق مع الأباء عدنا في نفس مجال الحديث البناء ، حيث بدأت الأسئله الصحيحة تدور و بدأت الأفكار تتشابك حتى نصل معأ لرؤيه صحيحة عن كيفية تربية أولادنا . 

فثار سؤال جدلي مستفز !!

 لكن هذا السؤال يحمل من المعاني الكثير و الكثير و بإجابته تستطيع أيها الوالد أن تعرف هل أحسنت تربية ابنك أم لا ..

فكان السؤال : 

من منكم أيها الأباء يضمن أن ابنه لم يشرب السجائر ( على سبيل المثال ) قط ؟؟

و فوجئت بأن أكثر الأباء يضمنون ذلك ، مع العلم أنني أعلم عن أبنائهم أنهم لا يتعاطون السجائر و فقط !! 

بل يتعاطون كل أنواع الملفوفات مثل السجائر المخدرة ( المحشية ) بل ويتناولون المخدرات المختلفة السائلة المحقونه أو الحبوب المُخدرة الموجودة على جدول الممنوعات الدوائية و الممنوع تداولها بدون الوصفات الطبية .. عافانا الله منها كلها ..

المُصيبة تكمن في أن الأب لا يعلم ، بل و الكارثة تكمن في أن الأب لا زال يضمن أن ابنه لا يشرب أو يتعاطى أي من هذه الأشياء !!

ثم دار السؤال بشكل أكثر تفصيلاً ,

ما هو أفضل إسلوب تربوي اتبعتموه أيها الأباء لتدافعون عن أبنائكم ضد خطر السجائر ؟

و مع هذا السؤال بدأ التفكير الإيجابي و بدأ كل أب يفكر بحكمة و يبحث بجدية في ذاكرته من أجل أن يجد مع الإجابة تجربة تساعده في إثبات أن ابنه أفضل ابن ، و بالطبع لكي يظهر هذا الأب كأفضل مُربي و من أجل أن تكون أسرته هي أفضل أسره بل و لتكون أسرته هي الأسرة المثالية .

و طال البحث و التفكير ، إلا أن نظرات الفشل بدأت تظهر على وجوه الأباء الحاضرين حتى رأينا أحد الأباء و قد استقر في مكانه و الواضح أنه لا يُجهد عقله و تفكيره في البحث عن تلك التجربة التي يبحث عنها غيره من الأباء .

 و من الواضح أيضاً أنه مُطمئن لقراره و كأننا نرى على وجهه ملامح الثقة ، و أحسست في نظراته بمشاعر الإطمئنان و انتظرت لكي أستمع كلماته فسألته أن يبدأ الحديث ..

فقال هذا الأب الواثق : 

أعلم أنكم تتسائلون عن سر ثقتي بموقفي ، و أعلم أنكم تبحثون معي عن أفضل الأساليب التربوية التي تصل بأبنائنا إلى بر الأمان ، و أعرف أنكم تستشعرون مثلي الرغبة في أن يصبح أطفالكم هم أفضل رجال العصور القادمة ، و أتخيل أنكم ترجون أن يصبحوا بعون من الله هم حماة المُستقبل ، و لكن أود أن أخبركم أن هذا الأسلوب الذي اتبعته و تلك الطريقة كانت بفضل الله و كرمه بمعونة زوجتي و شريكة حياتي التي أفهمتني طبيعة التعامل مع الأولاد و التي بسببها لم أكن لأفهم أو لأتعلم . 

فمن الجميل أن نذكر الفضل لأهله .. أليس كذلك ؟

و من الرائع أن تجد أن الأسلوب الذي اتبعناه في الماضي كان هو ـ بفضل الله ـ أفضل الأساليب !!

و كذلك فإنه من المُخيف أن نكتشف أننا كنا نمارس الأساليب الخاطئة قبل أن نتعلم ما يجب علينا أن نفعله ، و تصبح أفعالنا جريمة في حق أولادنا ، أحبابنا ، قرة أعيننا ، و فلذات أكبادنا .

ففي يوم من الأيام جائت زوجتي و جلست أمامي لتخبرني أن ابني الكبير البالغ من العمر وقتها عشرة أعوام يُقلدني !!

فسألتها قائلاً : في ماذا يُقلدني ؟ 

ـ و كنت عندها قد انتشيت و ظهرت بشائر السعادة على وجهي فرحاً بظهور تأثيري على ابني ـ

قالت زوجتي : يُقلدك في شُرب السجائر !!

قلت لها غاضباً : و كيف ذلك ؟

ثم أكملت قائلاً : أين هذا الولد لكي أربيه ؟ فسوف أقتله !! ـ وعندها علا صوتي و بان الغضب على ملامحي ـ .

و قد هممت فعلاً عندها أن أُمارس دوري كأب ـ كما كنت أتخيله ـ و عزمت على ضرب ابني ضرباً مبرحاً لن ينساه أبداً و لن يتناس معه خطأه بعد ذلك و سوف يتعلم كيف يبتعد عن السجائر .

قالت زوجتي : اهدأ يا زوجي العزيز !!

فقد أرسلته ليشتري لنا حاجيات للبيت ، و لكن يجب أن تعرف أنه يُقلدك أنت في شرب السجائر ، فأنت الذي تشرب و أنت قدوته ، أليس كذلك ؟

كما أنه يرى أنك أفضل رجل في العالم ، و هو يُحبك لأنه ابنك و أنت أبوه و كذلك فإنه يتمنى أن يُصبح مثلك في كل شئ ، هذا بالإضافة إلى أنه يعتقد أن شخصيتك متميزة جداً و خصوصاً عندما تشرب تلك السجائر الملعونه .

 فأنت السبب …!!

رددت بعدها على زوجتي قائلاً : و لكنه يجب أن يعرف أن تدخين السجائر شئ خاطئ !!

قالت : و لم لا زلت تشرب السجائر طالما أنك تعرف أن تدخين السجائر شئ خاطئ ؟

هنا سكتُّ قليلاً و قد انتابتني نوبة من الحيرة يصحبها الضيق و الغضب من زوجتي التي واجهتني بشئ يمثل مساساً بحريتي الشخصية ، و لكنها الحقيقة التي واجهتني زوجتي بها و كأن ابني سيُردد نفس الكلمات في ذهنه إن أنا واجهته بالمشكلة ، و بالفعل كانت هذه هي الحقيقة التي كنت أهرب منها و أتعمد ألا أواجهها أبداً .

و عرفت عندها أنني السبب ، ثم سألت زوجتي مُتعجباً !!

فقلت: كيف تجلسين أمامي بكل هذا الهدوء و أنت التي اكتشفتي أن الولد يدخن السجائر ؟

قالت زوجتي : أنا لم أقل أنه يُدخن أو يشرب السجائر و لكن قلت أنه يُقلدك في شرب السجائر !!

قلت لزوجتي عندها : لا أفهمك ، فماذا تقصدين ؟ هل يشرب السجائر أم لا ؟

الزوجة : لا و لكنه يُقلدك ؟ 

رددت متعجباً : كيف ؟

قالت الزوجة : بالأمس عندما كنت تجلس مع أصدقائك في جحرة الجلوس و ناديت على الولد ليأتي لك بعلبة السجائر ، لاحظت عندها الولد و هو في غرفتنا دون أن يراني ، لاحظته عندها و قد أمسك بعلبة السجائر ، ثم فتحها  أخرج منها سيجارة ، ثم ..

رددت مُتعجلاً : ثم ماذا ؟

قالت : ثم أمسك السيجارة في يده كما تمسكها أنت أيها الأب المُربي الفاضل في يديك ، ثم وضعها في فمه كما تضعها أنت !!

و هنا سكتت الزوجة و هي تنظر إلي ، نظرة الألم ، نظرة العتاب ، نظرة حملتني معها المسئولية و تحملت معها فشل التربية ، تلك النظرة التي ….

اتضح لي معها أنني السبب !!

ثم قالت : الحمد لله أن الولد لم يُشعل السيجارة ، و لعله من الممكن أن يفعلها في الوقت القريب ، و لكن أتمنى أن يكون في المرحلة الأولى من التقليد و لأنه كان يُقلد حركاتك كما كنت تفعل ، و كل ذلك لأنه يُحبك و لأنك قدوته فهو يتمنى أن يُصبح مثلك .

و عندها سألت زوجتي : و ما الحل ؟

أجابت الزوجة : و ماذا نريد في الأساس 

أجبت عليها : أتمني ألا يكون ولدي من الذين يشربون السجائر !!

ردت علي الزوجة ـ جزاها الله خيراً ـ قائله : حسناً و لكني أتمنى أن يُصبح ابني رجلاً و قادراً على اتخاذ القرار كذلك . 

سألتها : و لكن ما علاقة الموقف الذي نحن فيه بتلك الأُمنية ؟ 

ردت علي : إن الفرصة الآن مُتاحة لأن تحقق الهدفين !!

و عندها سألت زوجتي : و لكن كيف ؟

ردت على زوجتي بسؤال أخر : إن الأطفال يقلدون آبائهم في أفعالهم لأنهم يحبون أن يصبحون رجالاً ، أليس كذلك ؟

أجبتها : نعم ، بالطبع !!

ردت زوجتي : حسناً ، أولاً نحن متفقون أن الأطفال في هذا السن يتمسكون بأرائهم لأنهم يحبون أن يكونوا رجالاً أيضاً ، أليس كذلك ؟

الأب : نعم 

الزوجة : سأطلب منك أن تستدعي الأبن ، ثم تحدثه بمبدأ رجل لرجل و ستعرض عليه و بشكل رجولي أن يختار ما بين أن يشرب السجائر أو أن لا يشربها ، و ستوضح له مضارها و كيف أنك أيها الأب القدوة مغلوب على أمرك . 

فأنت أيها الأب المُحب بالطبع أسيراً للسجائر !! ـ و ألهبتني مع ذلك بنظراتها ـ

الأب : و عندها شعرت بالمسئولية ، مسئولية إفساد الأولاد ، و زاد حُبي لزوجتي عندها أضعاف أضعاف ، و تأملت زوجتي و تعجبت من حكمتها و فهمها و كيف أنها لا تكتفي بأن تحرص على تربية ابنها ليكون صاحب شخصية قوية فحسب بل تحرص على أن تربيني أنا الأخر لكي أستطيع أن أربي إبننا التربية التي يستحقها .

 فما أروعها زوجتي !!

الزوجة : أكملت كلامها قائلة : 

و أتمنى منك أيها الأب أن تصل بالندّية بينك و بين طفلك بأن تجعل القرار بحق هو قرار الإبن .

 و عندها سيختار الطفل  ما يراه الأفضل و الأصلح .

و تركتني زوجتي عندها لأن ابننا قد أتى من الخارج ، ثم بعد قليل قمت بالنداء عليه و أجلسته أمامي .

و تعاملت معه كما لم أتعامل معه من قبل ، و لأول مرة أشعر أن ابني رجلاً فقد رفض العرض الذي عرضته عليه ، فقد عرضت عليه شيئاً خيالياً !!

فقد عرضت عليه أنه إذا أراد أن يشرب السجائر فيجب عليه أن يطلب مني الأن ثمنها فسوف أوافق طالما هي رغبته ، و طالما كان هذا القرار هو قراره .

و الذي سيتحمل تبعاته لانه رجل !!

أليس كذلك ؟

و عرضت عليه هذا العرض مع ضمان الإنفاق الكامل على مصاريفه ،و لكني طلبت منه أن يضمن لي أنه إذا أراد أن يشرب السجائر فيجب عليه أن يشرب أمامي !!

 فأنا كوالد أُحب أن يكون أولادي رجالاً في ثقتهم بأنفسهم و في تحملهم مسئولية قرارهم ، و لا أحب أن يأتيني أحد أصدقاء ابني فيخبرني في يوم من الأيام أن ولدي الذي أظن أنه رجل يقوم بشرب السجائر دون علمي .

و لكن ..

يا بني أحب أن أخبرك أن السجائر مُضرة بشده ، و أنني كنت في صغري ضعيفاً جداً للدرجة التي انهارت معها مناعتي مع أصدقائي ,, أصدقاء السوء الذين ضحكوا علي و غرروا بأفكاري و معتقداتي فانهرت معهم في هاوية السجائر السحيقة . 

فما هو رأيك يا بني ؟؟

و كان رد ابني عجيباً ، جميلاً ، ممتعاً ، مُفرحاً ، و كان رده رجولياً بحق …

فقد قال ابني : لا يا أبي ، لم و لن أشرب السجائر أبداً .

و هنا أردف الأب قائلا : 

ابني ذو العشرة أعوام قالها و بكل رجولة : لا للسجائر . و قد كان …

فهو إلى الأن لم يشرب السجائر و هذا أمر أنا متأكد منه !!

فقد كان ابني يأتيني و هو في مرحلة المراهقة فكان يخبرني كيف إن زملاءه يستفزونه و يحاولون بكل الجهود أن يضغطوا عليه لكي يشرب معهم السجائر ، و كيف أنهم يتعمدون أن يصفوه بأنه ـ صغير في السن أو بأنه عيِّل ـ و بأنه ليس رجلاً ، لإنه لا يستطيع أن يشرب السجائر . 

كل هذا و غيره كان ابني يأتيني فيطمأنني بإستمرار فيقول : لا تخف يا أبي ، فأنا لا زلت على العهد محافظاً !!!

الفضل كل الفضل لله سبحانه و تعالى أن حفظ علي ابني ، و بأن جعلني سبباً في تربيته و بأن وفقني لإختيار الزوجة الصالحة العاقلة الواعية المُعلمة و التي ربتني حتى أستطيع تربية ابني .

انتهى الأب من حديثه و هو ينبهنا إلى أن هذا الإسلوب قد نجح مع ابنه و لكنه ليس بالضرورة أن ينجح مع أبنائنا فكل منا له إسلوبه و معتقداته ، و لكن ما سينجح بالتأكيد هو اعتماد منهجية التفكير المتميز و الباحث عن السبب أو الهدف .

و مع أخر كلمات الأب رأينا في عينيه ترقرق الدموع ، دموع الفرح التي أسعده الله بها . فليبارك الله له في أهله و ولده و علمه و فهمه و دينه إن الله على ما يشاء قدير .  

 

إبداع أم

في إحدى اللقاءات الإجتماعية شُغلنا بالحديث عن التربية و كنا عندها وسط أغلبية نسائية ، و كلهن في أعمار أمهاتنا و بدأت كلٌ منهن تدلي بدلوها في موسوعة التربية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو أسرية و بدأت كل منهن تفخر بأولادها و بحسن أدبهن حتى إن كل منهن كانت تنازع زميلاتها بصفات ولدها أو ابنتها .

فتلك تتفاخر بصفات إبنها و تلك تبحث عن عريس لبنتها حتى حدث و كان العرض النهائي في سلسلة الإستعراضات حيث دخل علينا شاب مهيب الطلعة ، طويل البنيان ، قوي الجسد ، يرتدي حُلة رسمية ذات ربطة عنق مميزة .

و ما أن دخل هذا الشاب حتى سكت الجميع ، و بعد لحظات قصيرة  إجال فيها هذا الشاب ببصرة بين الحضور و كأنه يبحث عن شئ حتى تهلل وجهه و كأنه وجد ضالته ، فقد كان يبحث عن والدته و إذا بها تجلس بييننا و ما أن تراءت أمام عينيه حتى أطال النظر إليها و كأنه يستمتع بالنظر لوجهها و سريعاً ما وضع حقيبته على الأرض ثم أسرع إلى والدته لكي يحييها .

رأينا نحن و كل الحضور مشهداً لم نره منذ زمن بعيد ، حيث هذا الشاب المُهندم ذو الجسد الممشوق و المظهر الرائع ينحني أمام والدته و هي جالسة ثم أمسك يدها اليمنى بين يديه و أحنى جسده و انهال يُقبل يدها ، ثم استقام جسده و ذهب بشفتيه إلى رأس أمه و طبع على جبهتها قبلة حانية و مرت اللحظات على سرعتها و كأنها ساعات طويلة و الحاضرون كلهم يتأملون المشهد في إنتباه و دهشه ، و لكأن الأمهات يتحسرن على أبنائهن و يتمنين أن يكن مكان أم هذا الشاب و وصل الأمر ببعضهن أن سخرن من أبنائهن ..

 كأن تقول إحداهن : ( فين إبني يتفرج !! ) 

و مع هذا الموقف توقف الحضور عن التفاخر و التنافس ، و قد ظهرت الحقيقة جليه واضحة و عندها علمت الأمهات معنى التربية و تأكدت الأمهات أن هذه الأم هي أفضلهم على الأطلاق و لهذا توجه الحاضرون بأبصارهم و أسماعهم و أحاسيسهم و كلهم أمل أن تتكلم هذه الأم الحانية ليتعلموا منها كيف تكون التربية و يدركوا معها كيف تكون النتيجة بكل هذا الإشراق و الحب .

لن أتكلم هنا عن مشاعر الحب التي يُكنها هذا الولد لوالدته و مشاعر الفخر التي يشعر بها ناحيتها و خصوصاً عندما أحنى رأسه مُقبلاً يدها هكذا أمام كل هؤلاء الناس و هو في شدة تألقه و احترافه فكأنه يقول للعالم كله : إن بري بإبوي هو سر نجاحي و تفوقي ـ و قد صدق ـ .

و توجه الجميع بالسؤال لصاحبة المُقام ، توجه الجميع بالإستفهام لتلك الأم و هم يتمنون أن تخبرهم بوصفة سحرية تساعدهم في تربية أبناءهم .

و بدأت الأم الحانية بالحديث فقالت : 

أنا أعرف أنكم كلكم تبحثون و بشغف عن سر نجاحي في تربية أبنائي و كلكم تريدون أن تتعرفوا على أهم أساليبي في التربية ، و لكن يجب عليكم أن تعرفوا أنني لم أكن أفعل أي شئ أكثر مما تفعلون و لكني كنت و بفضل الله أستشعر الأمانه و المسئولية على هؤلاء الأبناء .

و أنا أعرف أنكم كلكم كذلك ، فكلكم تدركون أننا محاسبون على تربيتهم و أنا كذلك ، و لكني كنت أحرص على إستيداع تلك المسئولية عند الله عز و جل و هذا هو سر تفوقي عليكم .

ثم أشارت إلي ابنها و قالت و هي سعيدة : هذه هي النتيجة ماثلة أمامكم هي ابني البار بأبويه.

 مثالاً يُحتزى لبر الوالدين قلَّ أن يوجد في هذا الزمان مثله ، و كذلك فهو رجل ناجح في عمله سعيد بنجاحه ، و متفوق في حياته , و كان لنا أنا و أبيه مثالاً 

لقول الله عز و جل : 

” المال و البنون زينة الحياة الدنيا ” .

ثم سألناها 

و كيف كنتِ تستودعين ابنك عند الله عز و جل ؟

قالت : كنت اتبع منهجاً معروفاً ، فكنت أحافظ على شيئين مهمين و لا أتركهما مهما حدثت من أشياء !!

 و انتظر الحضور كلهم ليستمعون للوصفة السحرية .

قالت : كنت أتابع طفلي عند كل خروج من الدار ، فإذا همَّ بالخروج كنت أُمسك بيده سريعاً قبل أن يخرج و أضع يدي اليمنى أعلى رأسه ..

ثم أقرأ عليه أية الكرسي :

 ” الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، لا تأخذه سنة و لا نوم ، له ما في السموات و ما في الأرض ، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم ، ولا يُحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات و الأرض ، و لا يؤده حفظهما و هو العلي العظيم  “

 254 سورة البقرة 

و تابعت الأم الكلام و كل الحاضرين منصتين فقالت : 

أعلم أن الله هو خير الحافظين و لذلك كنت أستعمل القرآن في حفظ إبني.

فرسول الله صلى الله عليه و سلم يقول عن القرآن : 

” خذوا منه ما شئتم لما شئتم ” 

 و كم من مرة كان يأتيني فيها الخبر بأن ابني قد تأذى !! فأرفض بكل إباء أن أقبل ذلك الخبر ، و أسترجع فيها لله فأقول إنا لله و إنا إليه راجعون .

و لكني لا ألبث أن أقول : لا و الله ، لا يضيعني الله أبداً .

 فلن يتأذى ولدي و قد حفظته عند الله .

فيخيب ظنهم و ينصرني الله عز و جل في كل مرة فله الحمد سبحانه .

و ابتسم الجميع لأن الأمر صار أكثر من كونه مجرد نصيحة نظرية بل فيه شيئاً عملياً و كذلك فمن الممتع أن يقبله العقل ، و من الإيمان كذلك أن تستمتع بالتوكل فيه على الله و قلبك معه مستقر بكل اليقين .

و أسرع الحاضرون بعد أن استوعبوا الدرس الأول إلى السؤال عن الدرس الثاني فقالوا جميعاً : و ما الشئ الثاني يا أماه ؟ .

قالت الأم بعد أن ظهر على وجهها ابتسامة لطيفة ـ نحسبها ابتسامة استمتاع بفضل الله عز و جل حيث انها لن تكون سعيدة بإبنها فقط بعد ذلك بل ستكون أم لكل أبناء هؤلاء ، فبعد أن تستعمل كل الأمهات تلك الوصفة و التي بإذن الله سوف يحفظ الله بواسطتها أبنائهن بكرمه سبحانه ، ثم إن الجميل في الأمر أن كل من سمعت أو قرأت عن تلك الصفات لا شك ستطبقها و ستمارسها و كذلك ستبلغها لغيرها كي يستعملها كل أمهاتنا و هذا مما قد يرفع شأن الأمة الإسلامية كلها و سيرفع شأن الإسلام بإذن الله ـ .

فقالت الأم : الشئ الثاني أقوى و أكثر تأثيراً من الشئ الأول و هو الصدقة !!

فلم أكن أنتظر عندما يمرض طفلي إلا و سريعا ًما تنشأ النية في قلبي و ينعقد عزمي على إخراج مبلغ من المال صغيراً كان أم كبيراً لا يهم كم و لكن المهم أن هذا المبلغ بنية الصدقة لله عزو جل لشفاء ولدي من مرضه أو لحفظه في طريقه الذي يمشي فيه أو توفيقه في أمتحانه أو نجاحه في مشروعه أو تميزه في أي شئ كان يفعله .

و كنت إذا ضاقت بي الأمور و لم أجد من المال ما أراه كافياً لكي أُخرج منه صدقه كنت أتصدق عندها بكل ما أقدر عليه من أموال مهما كانت القيمة ثم أجلس لأقرأ القرآن و بعدها أُجري ثوابه على المسلمين صدقه .

المهم أن الصدقة هي الحل .

 لأن الصدقة تُطفئ غضب الرب ، و لأن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه و سلم كان يقول : 

” ما نقص مال من صدقة ” 

فلم يحدث أن أشتكيت يوماً من عجز في مالي أو ضعف في حياتي بسبب تلك الصدقات بل كانت على العكس خير سبب لإنفراج الأزمات و توفر الأرزاق .

و أتممت الأم حديثها و رأينا على وجهها ابتسامة الحب و استشعرنا معها و في كلماتها نبرات الإيمان ، و صدرت من أنفاسنا تنهيدة هي كل أطياف الحب التي تأججت مع المفاجأة الجديدة التي رأيناها ، فقد رأينا هذا الطفل البار ـ أقصد الشاب المُهندم ـ و قد انهال ثانية على يديها يقبلها و الدموع تسيل من عينيه و نسمع لنحيبه صوتاً كصوت الأزيز و هو يتعجب كيف أن تربية والدته له لم تكن تحمل من المتعة بأكثر من العناء و القلق و التوتر و مع هذا المنظر و تلك الأصوات و بإرتفاع منسوب المشاعر إلى هذا الفيض الشجي ، علمنا عندها جميعاً أن

” الله خير حافظاً و هو أرحم الراحمين ” 



- الإعلانات -